القاضي التنوخي

54

الفرج بعد الشدة

ماضيا ، والصّواب به قاضيا ، فيجب أن يكون من زاد عليهما فيما جمعاه ، أولى منهما بما تعبا في تصنيفه ووضعاه . فكان هذا من أسباب نشاطي لتأليف كتاب يحتوي من هذا الفن على أكثر ممّا جمعه القوم وأشرح ، وأبين للمغزى وأكشف وأوضح ، وأن أخالف مذهبهم في التصنيف ، وأعدل عن طريقتهم في الجمع والتّأليف ، فإنّهم نسقوا ما أودعوه كتبهم جملة واحدة ، وربما صادفت مللا من سامعيها ، أو وافقت سآمة من النّاظرين فيها ، فرأيت أن أنوّع الأخبار ، وأجعلها أبوابا ، ليزداد من يقف على الكتب الأربعة ، بكتابي من بينها إعجابا ، وأن أضع ما في الكتب الثلاثة ، في مواضعه من أبواب هذا الكتاب ، إلّا ما أعتقد أنّه لا يجب أن يدخل فيه ، وأنّ تركه وتعدّيه ، أصوب وأولى ، والتشاغل بذكر غيره ، مما هو داخل في المعنى [ 2 غ ] ولم يذكره القوم ، أليق وأحرى ، وأن أعزو ما أخرجه ممّا في الكتب الثّلاثة ، إلى مؤلّفيها ، تأدية للأمانة ، واستيثاقا في الرواية ، وتبيينا لما آتي به من الزيادة ، وتنبيها على موضع الإفادة . فاستخرت اللّه عزّ ذكره ، وبدأت بذلك في هذا الكتاب ، ولقّبته بكتاب الفرج بعد الشدّة ، تيمّنا لقارئه بهذا الفال ، وليستسعد في ابتدائه بهذا المقال . ولم أستبشع إعادة هذا اللقب ، ولم أحتشم تكريره على ظهور الكتب ، لأنّه قد صار جاريا مجرى تسمية رجل اسمه محمّدا أو محمودا ، أو سعدا ، أو مسعودا ، فليس لقائل - مع التّداول لهذين الاسمين - أن يقول لمن سمّى بهما الآن : إنّك انتحلت هذا الاسم أو سرقته . ووجدتني [ 3 م ] متى أعطيت كتابي هذا حقّه من الاستقصاء ، وبلغت به حدّه من الاستيفاء ، جاء في ألوف أوراق ، لطول ما مضى من الزمان ، وإنّ اللّه بحكمته ، أجرى أمور عباده ، وأغذياء نعمته ، منذ خلقهم ، وإلى أن يقبضهم ، على التقلّب بين شدّة ورخاء ، ورغد وبلاء ، وأخذ وعطاء ،