القاضي التنوخي

52

الفرج بعد الشدة

ووجدت أقوى ما يفزع إليه من أناخ الدّهر بمكروه عليه ، قراءة الأخبار الّتي تنبي عن تفضّل اللّه عزّ وجل ، على من حصل قبله في محصله ، ونزل به مثل بلائه ومعضله ، بما أتاحه له من صنع أمسك به الأرماق ، ومعونة حلّ بها من الخناق ، ولطف غريب نجّاه ، وفرج عجيب أنقذه وتلافاه ، وإن خفيت تلك الأسباب ، ولم تبلغ ما حدث من ذلك الفكر والحساب ، فإنّ في معرفة الممتحن بذلك ، شحذ بصيرته في الصّبر ، وتقوية عزيمته على التسليم إلى مالك كلّ أمر ، وتصويب رأيه في الاخلاص ، والتفويض إلى من بيده ملك النواص ؛ وكثيرا ما إذا علم اللّه تعالى من وليّه وعبده ، انقطاع آماله إلّا من عنده ، لم يكله إلى سعيه وجهده ، ولم يرض له باحتماله وطوقه ، ولم يخله من عنايته ورفقه . وأنا بمشيئة اللّه تعالى ، جامع في هذا الكتاب ، أخبارا من هذا الجنس والباب ، أرجو بها انشراح صدور ذوي الألباب ، عندما يدهمهم من شدّة ومصاب ، إذ كنت قد قاسيت من ذلك ، في محن دفعت إليها ، ما يحنو بي على الممتحنين ، ويحدوني على بذل الجهد في تفريج غموم المكروبين . وكنت وقفت في بعض محني ، على خمس أو ست أوراق ، جمعها أبو الحسن علي بن محمد المدائنيّ ، وسمّاها « كتاب الفرج بعد الشدّة والضيقة » ، وذكر فيها أخبارا يدخل جميعها في هذا العنى ، فوجدتها حسنة ، لكنّها لقلّتها أنموذج صبرة « 3 » ، فلم يأت بها ، ولا سلك فيها سبل الكتب [ 1 غ ] المصنّفة ، ولا الأبواب الواسعة المؤلّفة ، مع اقتداره على ذلك ، ولا أعلم غرضه في التقصير ، ولعلّه أراد أن ينهج طريق هذا الفنّ من الأخبار ، ويسبق إلى فتح الباب فيه بذلك المقدار ، واستثقل تخريج جميع ما عنده فيه من الآثار . ووقع إليّ كتاب لأبي بكر عبد اللّه بن محمّد بن أبي الدّنيا ، قد سمّاه « كتاب الفرج بعد الشدّة » [ في نحو عشرين ورقة ] « 4 » ، والغالب عليه أحاديث

--> ( 3 ) الصبرة : ما جمع من الأشياء بلا كيل أو وزن ، يقال أخذه صبرة ، أي جملة . ( 4 ) الزيادة من م وغ .