القاضي التنوخي
170
الفرج بعد الشدة
عن مكّة ، إلى الطائف : أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّ ابن الزبير سيّرك إلى الطائف ، فأحدث اللّه عزّ وجلّ لك بذلك أجرا ، وحطّ به عنك [ 31 غ ] وزرا ، يا ابن عمّ ، إنّما يبتلى الصالحون ، وتعدّ الكرامة للأخيار ، ولو لم تؤجر إلّا فيما تحبّ ، لقلّ الأجر ، وقد قال اللّه تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ « 3 » عزم اللّه لنا ولك ، بالصبر على البلاء [ 17 ر ] ، والشكر على النعماء ، ولا أشمت بنا وبك الأعداء ، والسلام « 4 » .
--> وأضاع أخاه المصعب ، وكان يحكم مملكته حكما مركزيّا بعقليّة ضيّقة ، فقد أمر أخاه أن يقتل زوجة المختار الثقفي لأنّها أبت أن تتبرّأ من زوجها ، فقتلت ( العقد الفريد 6 / 118 والأغاني 9 / 228 ) ، ولمّا حبس محمّد بن الحنفيّة في سجن عارم ، وبعث إليه المختار جندا من العراق ، فأطلقوه ، كتب إلى أخيه لمّا استولى على العراق ، أن يعتقل نسوة أولئك الجنود ، وينفيهنّ عن بلدهنّ ( الأغاني 15 / 150 ) وكانت تصرّفاته هذه ممّا أدّت إلى انزعاج الرعيّة منه ، إذ لم يجدوا فرقا بين حكمه وحكم الأمويّين ، وممّا زاد في مشاكله أنّه خاصم بني هاشم وقد كان عليه أن يضمّهم إلى جانبه ليتقوّى بهم ، ففعل خلاف ذلك ، فقد اشتدّ في خصومتهم وحبس كبيرهم محمّد بن الحنفيّة ، ابن الإمام عليّ بن أبي طالب ، في سجن عارم ونفى شيخهم عبد اللّه بن عبّاس إلى الطائف ، وبلغ به الحال أنّه قطع الصلاة على النبيّ صلوات اللّه عليه ، غيظا من بني هاشم ، ولمّا أنكر عليه ذلك ، قال : إنّ له قوم سوء تشرئبّ أعناقهم عند ذكره . وقد ختم عبد اللّه بن الزّبير حياته بعمل نادر المثيل من أعمال البطولة والفداء شاركته فيه أمّه أسماء ذات النطاقين ، فإنّه لمّا أدرك مصيره ، جاء إلى أمّه ، وهي عجوز عمياء بلغت المائة ، وشكى إليها تخلّي النّاس عنه ، وخذلانهم إيّاه ، وقال لها : إنّ القوم يعطوني ما أردت من الدّنيا فما رأيك ؟ فقالت : يا بنيّ ، أنت أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنّك على حقّ ، فأمض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، فقال لها : إنّي أخشى إن قتلت أن يمثّل بي ، فقالت : يا بنيّ إنّ الشاة إذا ذبحت لم تألم السلخ ، فخرج ، وحارب ، واستقتل ، فقتل ، وماتت أمّه بعده بأيّام . ( 3 ) 216 م البقرة 2 . ( 4 ) راجع القصّة 279 من هذا الكتاب .