ابن المقفع
92
آثار ابن المقفع
الدواء والحمية « 1 » والأسقام والأوجاع أوفى نصيب . فإذا أدرك لحقه هم الأهل وكانت همته في جمع المال وتربية الولد ومخاطرة الطلب والسعي والكد والتعب . وهو مع كل ذلك يتقلب مع أعدائه الباطنين اللازمين له وهم المرة الصفراء والمرة السوداء ، والريح والبلغم والدم مع السم المميت والحية اللاذعة والخوف من السباع والهوام مع تقلب الفصول من الحر والبرد والأمطار والرياح والثلوج والشيطان الدائم والقرين السوء وغير ذلك من الطوارىء الرديئة ثم أنواع عذاب الهرم لمن يبلغه . فلو لم يخف من هذه الأمور شيئا ، وكان قد أمن ووثق بالسلامة منها فلم يفكر بها لوجب عليه أن يكون مفكرا في الساعة التي يحضره فيها الموت ويفارق الدنيا ، فيذكر ما هو نازل به في تلك الساعة مما هو أشد جدا من ذلك ، من فراق الأحبة والأقارب والمال وكل مضنون « 2 » به من الدنيا مع الإشراف على الهول العظيم بعد الموت . فلو لم يفعل ذلك لكان حقيقا أن يعد عاجزا مفرّطا « 3 » ، محبا للدناءة ، مستحقا للوم . فمن ذا الذي يعلم هذا ولا يستعد له قبل حلوله ويحتال لغد جهده في الحيلة ، ويرفض ما يشغله ويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها ، ولا سيما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهو كدر . فإنه وإن كان الملك حازما ، عظيم المقدرة ، رفيع الهمة ، بليغ الفحص ، عدلا « 4 » مرجوا صدوقا شكورا ، رحب الذراع « 5 » ، مواظبا على الحسنى ، عالما بالناس ، مهتما بأمور رعيته ، ناظرا في أحوالهم ، محبا للعلم والخير والأخيار ،
--> ( 1 ) الحمية : التوقي في الاكل . ( 2 ) مضنون به : مبخول به . ( 3 ) مفرطا : مقصرا . ( 4 ) عدلا : عادلا . ( 5 ) رحب الذراع : واسع الخلق .