ابن المقفع

93

آثار ابن المقفع

شديدا على الظلمة ، غير جبان ولا خفيف القياد « 1 » رفيقا بالتوسع على الرعية فيما يحبون والدفع لما يكرهون ، فإنا قد نرى الزمان مدبرا « 2 » بكل مكان حتى كأن أمور الصدق قد نزعت من الناس ، فأصبح ما كان عزيزا فقده مفقودا ، وموجودا ما كان ضائرا « 3 » وجوده ، وكأن الخير أصبح ذابلا ، والشر ناضرا « 4 » ، وكأن الفهم أصبح قد زالت سبله ، وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح بالحكم موكلا « 5 » ، وأصبح المظلوم بالحيف « 6 » مقرا ، والظالم بنفسه مستطيلا « 7 » وكأن الحرص أصبح فاغرا فاه من كل جهة يتلقف « 8 » ما قرب منه وما بعد ، وكأن الرضى أصبح مجهولا وكأن الأشرار يقصدون السماء صعودا ، وكأن الأخيار يريدون بطن الأرض . وأصبحت المروءة مقذوفا بها من أعلى شرف « 9 » إلى أسفل درك ، وأصبحت الدناءة ممكنة ، وأصبح السلطان منتقلا عن أهل الفضل إلى أهل النقص ، وكأن الدنيا جذلة مسرورة تقول قد غيبت الخيرات وأظهرت السيئات . فلما فكرت في الدنيا وأمورها ، وأن الإنسان هو أشرف الخلق فيها وأفضله ، ثم هو لا يتقلب إلا في الشرور والهموم عجبت من ذلك كل العجب ، وتحققت أنه ليس إنسان ذو عقل يعلم ذلك ، ثم لا يحتال لنفسه في النجاة ويلتمس الخلاص ، وإن فرط في ذلك فهو عندي عاجز قليل الرأي ناقص الهمة فيما له وعليه . ثم نظرت فإذا الناس كلهم مفرطون في ذلك مغفلون له فقضيت العجب من ذلك ، والتمست « 10 » لهم عذرا فيه ونظرت ، فإذا الإنسان لا يمنعه عن الاحتيال لنفسه إلا

--> ( 1 ) القياد : اي غير سهل الانقياد . ( 2 ) مدبرا : موليا . ( 3 ) ضائرا : مضرا . ( 4 ) ناضرا : زاهيا . ( 5 ) موكلا : لازما لهم معلقا بهم . ( 6 ) الحيف : الظلم والجور . ( 7 ) مستطيلا : متعظما . ( 8 ) يتلقف : يتناول . ( 9 ) أعلى شرف : مكان عال . ( 10 ) التمست : طلبت .