ابن المقفع
91
آثار ابن المقفع
لا تثبت على أمر تعزم عليه ، كقاض سمع من خصم واحد فحكم له ، فلما حضر الخصم الثاني عاد إلى الأول فقضى عليه . ثم نظرت في الذي أكابده من احتمال النسك وضيقه فقلت : ما أصغر هذه المشقة في جانب روح الأبد وراحته . ثم نظرت فيما تشره « 1 » إليه النفس البهيمية من لذة الدنيا فقلت : ما أمر هذا وأوجعه ، وهو يدفع إلى عذاب الأبد وأهواله . وكيف لا يستحلي الرجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة طويلة ؛ وكيف لا تمر عليه حلاوة قليلة تعقبها مرارة دائمة ! وقلت : لو أن رجلا عرض عليه أن يعيش مئة سنة لا يأتي عليه يوم واحد إلا بضع منه بضعة « 2 » ، غير أنه يشرط له أنه إذا استوفى السنين المئة نجا من كل ألم وأذى وصار إلى الأمن والسرور ، كان حقيقا ألا يرى تلك السنين شيئا . فكيف يأبى الصبر على أيام قلائل يعيشها في النسك ، وأذى تلك الأيام قليل يعقب خيرا كثيرا . أوليس أن الدنيا كلها بلاء وعذاب ، والإنسان إنما يتقلب في عذابها من حين يولد إلى أن يستوفي أيام حياته . فإنه إذا كان طفلا ذاق من العذاب ألوانا : إن جاع فليس به استطعام « 3 » ، أو عطش فليس به استسقاء « 4 » ، أو وجع فليس به استغاثة ، مع ما يلقى من الوضع والحمل واللف والدهن والمسح ، إن أنيم على ظهره لم يستطع قياما ولا تقلبا . ثم يلقى أصناف العذاب ما دام رضيعا ، فإذا أفلت من عذاب الرضاع أخذ في عذاب الأدب فأذيق منه ألوانا من عنف المعلم ، وضجر الدرس وسآمة الكتابة . ثم له من
--> ( 1 ) تشره : تميل اليه . ( 2 ) بضع منه بضعة : قطع منه قطعة . ( 3 ) استطعام : طلب الطعام . ( 4 ) استسقاء : طلب الشراب .