ابن المقفع

90

آثار ابن المقفع

رفضت أعمالا كنت أرجو عائدتها « 1 » ، وقد كنت أعملها فانتفع بها في الدنيا . فيكون مثلي في ذلك مثل الكلب الذي مر بنهر وفي فيه ضلع فرأى ظلها في الماء فأهوى « 2 » ليأخذها فأتلف ما كان معه ولم يجد في الماء شيئا . فهبت « 3 » النسك مهابة شديدة ، وخفت من الضجر وقلة الصبر ، وأردت الثبوت على حالتي التي كنت عليها . ثم بدا لي أن أقيس ما أخاف ألا أصبر عليه من الشظف « 4 » والضيق والخشونة في النسك وما يصيب صاحب الدنيا من البلاء . وكان عندي أنه ليس شيء من شهوات الدنيا ولذاتها إلا وهو متحول إلى الأذى ومولد للحزن فالدنيا كالماء الملح الذي لا يزداد شاربه شربا إلا ازداد عطشا . وكالعظم الذي يصيبه « 5 » الكلب فيجد فيه ريح اللحم فلا يزال يطلب ذلك اللحم حتى يدمي فاه ولا ينال شيئا مما طلب . وكالحدأة « 6 » التي تظفر بالبضعة « 7 » من اللحم فيجتمع عليها الطير فلا تزال تدور وتدأب « 8 » حتى تعيي وتعجز فإذا تعبت ألقت ما معها . وكالكوز من العسل الذي في أسفله السم الذي يذاق منه حلاوة عاجلة وآخره موت زعاف . وكأحلام النائم التي يفرح بها الإنسان في نومه فإذا استيقظ ذهب الفرح . وكالبرق الذي يضيء يسيرا فيطمع بالنور ثم يذهب بغتة ويرجع الظلام ، وكدودة القز التي تنسج نهارا وليلا وتهلك وسط نسيجها الذي كلما زادت منه نسجا زاد استحكاما ومنعا لها عن الخروج . فلما فكرت في هذه الأمور رجعت إلى طلب النسك وهزني الاشتياق إليه وقلت : لا يليق بي أن أقيس الدنيا بالنسك إذا تفكرت فيها وفي شرورها وأحزانها . ثم خاصمت نفسي إذ هي في شرورها سارحة وقد

--> ( 1 ) عائدتها : نفعها . ( 2 ) أهوى : انحنى ومال . ( 3 ) هبت : خفت . ( 4 ) الشظف : ضيق العيش وشدته . ( 5 ) يصيبه : يجده . ( 6 ) الحدأة : طائر . ( 7 ) البضعة : القطعة . ( 8 ) تدأب : تجتهد .