ابن المقفع
87
آثار ابن المقفع
قرب أجلي وحانت نقلتي « 1 » ، وقد كنت أعمل أمورا محمودة أرجو أن تكون أصلح الأعمال . ولعل ترددي شغلني عن خير كنت أعمله فيكون أجلي دون ما تطمح إليه نفسي ويطلبه أملي . ويصيبني ما أصاب الرجل الذي زعموا أنه تواطأ « 2 » مع خادم في بيت لأحد الأغنياء على أن يأتي البيت في كل ليلة يغيب أهله فيجمع الخادم مما في البيت فيذهب به ويبيعه ويتشاطرا ثمنه . فاتفق ، ذات ليلة ، أن غاب أهل البيت وبقي الخادم وحده فأنفذ فأخبر صاحبه ، فأقبل حتى دخل البيت وأخذا في الجمع مما فيه . وبينا هما يجمعان إذ قرع الباب . وكان للبيت باب آخر لم يكن يعلمه الرجل ، وكان ذلك الباب عند جب « 3 » الماء . فقال الخادم للرجل ، على عجل منه وخيفة : بادر أخرج من الباب الذي عند جب الماء . . . وأشار له إلى موضعه . فانطلق الرجل إلى ذلك المكان فوجد الباب ولكن لم يجد جب الماء ، فرجع إليه وقال له : أما الباب فوجدته ، وأما الجب فلم أجده . فقال له : أيها المائق « 4 » ، وما تصنع بالجب ؟ أنا دللتك به لتعرف الباب ، فإذ قد عرفته فاذهب عاجلا . فقال له : لم يكن ذلك صدقا ، فلم ذكرت الجب وليس هو هناك ؟ فقال له : ويحك ، أيها الأحمق ، انج بنفسك ودع عنك الحمق والتردد ! فقال له : كيف أمضي وقد خلطت عليّ وذكرت الجب وليس هناك ؟ فلم يزل على مثل هذه الحال حتى دخل رب البيت فأخذه وأوجعه ضربا ورفعه « 5 » إلى السلطان . فلما خفت من التردد رأيت ألا أتعرض له ولا لما أتخوف منه المكروه ، واقتصرت على كل شيء تشهد به العقول وتتفق عليه أهل
--> ( 1 ) نقلتي : الاسم من الانتقال بمعنى الموت . ( 2 ) تواطأ : اتفق . ( 3 ) جب : بئر . ( 4 ) المائق : الأحمق الغبي . ( 5 ) رفعه : قدمه .