ابن المقفع

88

آثار ابن المقفع

الأديان ويرى أنه صواب وحق . فكففت يدي عن الضرب والقتل والسرقة ، وزجرت نفسي عن الكبر « 1 » والغضب ، ونزهت قلبي عن الحقد والبغض والخيانة ، وصنت لساني عن الكذب والبهتان والغيبة « 2 » والنميمة وكل أمر مكروه . وأضمرت في نفسي ألا أبغي على أحد ولا أكذب بالبعث ولا القيامة ولا الثواب ولا العقاب ، وأن لا إله إلا اللّه الفرد الصمد « 3 » يكافىء على الخير بالخير وعلى الشر بالشر ، وأن لا بد من المسألة والحساب . وزايلت « 4 » الأشرار وحاولت الجلوس مع الأخيار بجهدي . ورأيت كلا من الصلاح والعلم ليس كمثله صاحب ولا قرين « 5 » ووجدت مكسبه ، إذا وفق اللّه وأعان ، يسيرا ، ووجدته يدل على الخير ، ويشير بالنصح ، فعل الصديق بالصديق . ووجدته لا ينقص على الإنفاق منه ، بل يزداد ولا يخلق على كثرة الاستعمال ، بل يجد ويزهو ويكثر . ووجدته لا خوف عليه من السلطان أن يغصبه « 6 » ، ولا من الآفات أن تفسده ، ولا من الماء أن يغرقه ، ولا من النار أن تحرقه ، ولا من اللصوص أن تسرقه ، ولا من السباع وجوارح الطير « 7 » أن تمزقه . ووجدت الرجل الساهي اللاهي المؤثر اليسر يناله في يومه ويعدمه في غده على الكثير الباقي نعيمه . يصيبه فيما ذهبت فيه أيامه ما أصاب التاجر الذي زعموا أن تاجرا كان له جوهر نفيس فاستأجر لثقبه رجلا في اليوم على مئة درهم يدفعها إليه وانطلق به إلى منزله ليعمل . وإذا في ناحية البيت صنج « 8 » موضوع ، فقال التاجر للصانع : هل تحسن الضرب بالصنج ؟

--> ( 1 ) الكبر : الكبرياء . ( 2 ) البهتان : القول على الناس ما لم يفعلوه . ( 3 ) الصمد : من أسماء الله ، ومعناه الدائم . ( 4 ) زايلت : فارقت . ( 5 ) قرين : مصاحب وعشير . ( 6 ) يغصبه : يأخذه قهرا وظلما . ( 7 ) جوارح الطير ؛ قويها وفاتكها . ( 8 ) صنج ؛ آلة من آلات الطرب .