ابن المقفع
58
آثار ابن المقفع
استحكم كان هو السابق إلى الخير والدافع لكل ضرّ فلا شيء أفضل من العقل والأدب فمن منّ عليه خالقه بالعقل وأعان هو على نفسه بالمثابرة على الأدب والحرص عليه سعد جدّه وأدرك أمله في الدنيا والآخرة . وقد رزق اللّه ملكنا هذا السعيد الجدّ « 1 » أنوشروان من العقل أفضل الرزق ومن النصيب أجزله وأعانه على ما رزق من ذلك بحسن الأدب والبحث عن العلم وطلب التفسير لجميع علوم الفلسفة والاستنباط « 2 » عما غاب والتخيّر للصواب مما ظهر فبلغ في ذلك ما لم يبلغه ملك قط ممن كان قلبه من الملوك . وكان فيما يطلب من العلم ويبحث عنه أنه بلغه أن كتابا من كتب الهند عند ملوكهم وعلمائهم نفيس مخزون وهو أصل كل أدب ورأس كل علم والدليل على كل منفعة ومفتاح طلب الآخرة والعمل للنجاة من هو لها والمقوي لما يحتاج إليه الملوك لتدبير ملكهم ويصلحون به معايشهم وهو كتاب كليلة ودمنة . فلما تيقن ما بلغه عن ذلك الكتاب وما فيه من منافع تقوية العقل والأدب لم يطمئن بالا ولم يسكن حرصا على استفادته والنظر فيه وفي عجائبه . وكان رجلا عاقلا أديبا . فسأله أهل مملكته أن يختاروا رجلا عاقلا أديبا . عالما ماهرا بالفارسية والهندية حريصا على العلم مجتهدا في استكمال الأدب مثايرا على النظر والتفسير لكتب الفلسفة فيؤتى به . فطلب الرجل حتى ظفروا به فأتي برجل شاب جميل ذي حسب كامل العقل والأدب صناعته التي يعرف بها الطب وكان ماهرا بالفارسية والهندية يسمى برزويه . فلما دخل عليه سجد له ثم قام مكفّرا فقال له الملك يا برزويه إني
--> ( 1 ) الجد : الحظ والطالع . ( 2 ) الاستنباط : الاستنتاج .