ابن المقفع

59

آثار ابن المقفع

قد اخترتك لما بلغني عن فضلك وعقلك وحسن أدبك وحرصك على طلب العلم حيث كان في مظانه . وقد بلغني عن كتاب للهند مخزون بخزائنهم . وقص عليه قصته وأخبره بما بلغه عنه وعظيم رغبته فيه وأمره بالجهاز للخروج في طلبه وأن يتلطف بعقله ورفقه وحسن أدبه لاستخراج ذلك الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم إما مكتوبا بالفارسية فيستنقذه له هو وغيره من الكتب التي ليست في خزائنه ولا في ملكه . وأمر أن يحمل معه من المال ما أراد فإن نفد « 1 » قبل أن يصير إلى حاجته كتب إليه ليمده من المال ما أحب وإن كثر . وقال : لا تقصّر في طلب كل علم فليست النفقة عوضا من الفائدة ولو أحاط بجميع ما في خزائني . وأمر المنجمين أن يتخيروا له يوما يسير فيه وساعة صالحة فخرج وحمل معه من المال عشرين ألف دينار . ولما قدم برزويه على أرض ذلك الملك وتخلل مجالس الأسواق وسأل عن قرابة الملك والأشراف وعن العلماء والفلاسفة جعل يغشاهم في منازلهم ويتلقاهم بالتحية والسلام على باب الملك ، ويخبرهم أنه رجل غريب قدم بلادهم في طلب العلم والأدب ، وأنه محتاج إلى معونتهم على ما طلب من ذلك ويسألهم إرشاده إلى حاجته . ومع شدة كتمانه لما قدم له لم يزل في ذلك زمانا طويلا يتأدب بما هو أعلم به ، ويتعلم من العلوم ما هو ماهر فيه . واتخذ لطول إقامته إخوانا كثيرين من أهل الهند من الأشراف والسوقة ومن العلماء وأهل كل صناعة ، واختص من جماعتهم رجلا يسمى ( أدوية ) وجعله صاحب سره ومشورته لما ظهر له من حسن علمه وفضل أدبه وصحة إخائه ومحض « 2 » مودته وكان يستشيره في جميع الأمور إلا أنه كان يكتمه الأمر الواحد الذي جاء من أجل

--> ( 1 ) نفد : انتهى ، نضب . ( 2 ) محض مودته : أي صادق مودته ، اخلاصه .