ابن المقفع
55
آثار ابن المقفع
أهل السعاية « 1 » والتحرز « 2 » ممن يوقع العداوة بين المتحابين ، ليجر بذلك نفعا إلى نفسه . فلم يزل بيدبا وتلميذه في المقصورة حتى استتم عمل الكتاب في مدة سنة . فلما تم الحول « 3 » أنفذ إليه الملك أن قد جاء الوعد فما ذا صنعت ؟ فأنفذ إليه بيدبا : إني على ما وعدت الملك فليأمرني بحمله بعد أن يجمع أهل المملكة لتكون قراءتي هذا الكتاب بحضرتهم . فلما رجع الرسول إلى الملك سرّ بذلك ووعده يوما يجمع فيه أهل المملكة . ثم نادى في أقاصي بلاد الهند ليحضروا قراءة الكتاب . فلما كان ذلك اليوم أمر الملك أن ينصب لبيدبا سرير مثل سريره وكراسي لأبناء الملوك والعلماء وأنفذ فأحضره . فلما جاءه الرسول قام فلبس الثياب التي كان يلبسها إذا دخل على الملوك وهي المسوح السود ، وحمّل الكتاب تلميذه . فلما دخل على الملك وثب الخلائق بأجمعهم ، وقام الملك شاكرا ، فلما قرب من الملك كفّر له وسجد ولم يرفع رأسه . فقال له الملك : يا بيدبا ، ارفع رأسك فإن هذا يوم هناء وفرح وسرور . وأمره الملك أن يجلس . فحين جلس لقراءة الكتاب سأله الملك عن كل باب من أبواب الكتاب وإلى أي شيء قصد فيه ، فأخبره بغرضه فيه ، وفي كل باب ، فازداد الملك منه تعجبا وسرورا ، فقال له : يا بيدبا ، ما عدوت « 4 » الذي في نفسي ، وهذا الذي كنت أطلب ، فاطلب ما شئت وتحكّم . فدعا له بيدبا بالسعادة وطول الجدّ « 5 » ، وقال : أيها الملك ، أما المال فلا حاجة لي فيه ، وأما
--> ( 1 ) السعاية : النميمة . ( 2 ) التحرز : التوقي . ( 3 ) الحول : السنة . ( 4 ) عدوت : جاوزت . ( 5 ) الجد : السعادة .