ابن المقفع
52
آثار ابن المقفع
اخلاق الملوك وسياستها للرعية ، فيسقط بذلك عني وعنهم كثير مما نحتاج إليه في معاناة « 1 » الملك . وأريد ان يبقى لي هذا الكتاب بعدي ذكرا على غابر « 2 » الدهور . - 9 - فلما سمع بيدبا كلامه خر له ساجدا ورفع رأسه وقال : أيها الملك السعيد جده « 3 » علا نجمك ، وغاب نحسك ، ودامت أيامك ؛ إن الذي قد طبع عليه الملك من جودة القريحة ، ووفور العقل ، حركه إلى عالي الأمور ، وسمت به نفسه وهمته إلى اشرف المراتب منزلة ، وابعدها غاية . وادام اللّه سعادة الملك واعانه على ما عزم من ذلك ، وأعانني على بلوغ مراده . فليأمر الملك بما شاء من ذلك ، فإني صائر « 4 » إلى غرضه مجتهد فيه برأيي . قال له الملك : يا بيدبا ، لم تزل موصوفا بحسن الرأي وطاعة الملوك في أمورهم ، وقد اختبرت منك ذلك واخترت ان تضع هذا الكتاب ، وتعمل فيه فكرك وتجهد فيه نفسك ، بغاية ما تجد إليه السبيل . وليكن مشتملا على الجد والهزل واللهو والحكمة والفلسفة . فكفر « 5 » له بيدبا وسجد وقال : قد أجبت الملك ، أدام اللّه أيامه ، إلى ما أمرني به وجعلت بيني وبينه أجلا « 6 » قال : وكم الأجل ، قال : سنة . قال : قد أجلتك ، وامر له بجائزة سنية « 7 » تعينه على عمل الكتاب . فبقي بيديا مفكرا في الاخذ فيه وفي اي صورة يبتدئ بها فيه وفي وضعه .
--> ( 1 ) معاناة : معالجة . ( 2 ) غابر : ماضي الدهور . ( 3 ) جده : طالعه ، حظه . ( 4 ) صائر : منته وواصل . ( 5 ) كفر له : خضع ، وسجد : خضع وانحنى . ( 6 ) أجلا : موعدا . ( 7 ) سنية : رفيعة .