ابن المقفع
53
آثار ابن المقفع
ثم إن بيدبا جمع تلامذته وقال لهم : إن الملك قد ندبني « 1 » إلى أمر فيه فخري وفخركم وفخر بلادكم وقد جمعتكم لهذا الأمر . ثم وصف لهم ما سأل الملك من أمر الكتاب والغرض الذي قصد فيه فلم يقع لهم الفكر فيه « 2 » . فلما لم يجد عندهم ما يريده فكر ، بفضل حكمته ، ان ذلك أمر انما يتم باستفراغ العقل ، واعمال الفكر . وقال : أرى السفينة لا تجري في البحر إلا بالملاحين لأنهم يعدلونها « 3 » ، وانما تسلك اللجة « 4 » بمدبرها الذي تفرد بإمرتها « 5 » . ومتى شحنت بالركاب الكثيرين وكثر ملاحوها لم يؤمن عليها من الغرق . ولم يزل يفكر فيما يعمله في باب الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه ، مع رجل من تلاميذه كان يثق به ، فخلا به منفردا معه ، بعد ان أعد « 6 » من الورق الذي كانت تكتب فيه الهند شيئا ، ومن القوت ما يقوم به وبتلميذه تلك المدة ، وجلسا في مقصورة « 7 » ، وردا عليهما الباب . ثم بدأ في نظم الكتاب وتصنيفه ، ولم يزل هو يملي ، وتلميذه يكتب ، ويرجع هو فيه ، حتى استقر الكتاب على غاية الاتقان والاحكام . ورتب فيه خمسة عشر بابا . كل باب منها قائم بنفسه . وفي كل باب مسألة والجواب عنها ، ليكون لمن نظر فيه حظ « 8 » من التبصرة « 9 » والهداية . وضمن تلك الأبواب كتابا واحدا ، وسماه كتاب كليلة ودمنة . ثم جعل كلامه على ألسن البهائم ، والسباع ، والطير ، ليكون ظاهره لهوا للخواص والعوام ، وباطنه رياضة « 10 » لعقول الخاصة . وضمنه أيضا ما يحتاج اليه الانسان
--> ( 1 ) ندبني : دعاني . ( 2 ) لم يقع لهم الفكر : لم يعرفوا طرق وضعه . ( 3 ) يعدلونها : يسوونها . ( 4 ) اللجة : معظم الماء . ( 5 ) بامرتها : ولايتها . ( 6 ) أعد : هيأ . ( 7 ) مقصورة : حجرة . ( 8 ) حظ : نصيب . ( 9 ) التبصرة : التفكير . ( 10 ) رياضة : تمرينا .