ابن المقفع
51
آثار ابن المقفع
وإن الملك دبشليم قد بسط « 1 » لساني في أن أضع كتابا فيه ضروب « 2 » الحكمة . فليضع كل واحد منكم شيئا في أي فن شاء وليعرضه علي لأنظر مقدار عقله ، وأين بلغ من الحكمة فهمه . قالوا : أيها الحكيم الفاضل ، واللبيب العاقل ، والذي « 3 » وهب لك ما منحك من الحكمة والعقل والأدب والفضيلة ، ما خطر هذا بقلوبنا ساعة قط ، وأنت رئيسنا وفاضلنا ، وبك شرفنا وعلى يدك انتعشنا ، ولكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت . ومكث الملك على ذلك من حسن السيرة زمانا يتولى له ذلك بيدبا ويقوم به . ثم إن الملك دبشليم لما استقر له الملك وسقط عنه النظر في أمور الأعداء بما قد كفاه ذلك « 4 » بيدبا ، صرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه وأجداده . فوقع في نفسه أن يكون له أيضا كتاب مشروح ينسب إليه وتذكر فيه أيامه كما ذكر آباؤه وأجداده من قبله . فلما عزم على ذلك ، علم أنه لا يقوم إلا ببيدبا . فدعاه وخلا به وقال له : يا بيدبا ، إنك حكيم الهند وفيلسوفها ، وإني فكرت ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت للملوك قبلي ، فلم أر فيهم أحدا إلا وقد وضع كتابا يذكر فيه أيامه وسيرته ، وينبئ عن أدبه وأهل مملكته . « فمنه ما وضعته الملوك لأنفسها وذلك لفضل حكمة فيها ، ومنه ما وضعته حكماؤها . وأخاف ان يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة لي فيه ، ولا يوجد في خزائني كتاب اذكر به بعدي وينسب إلي كما ذكر من كان قبلي بكتبهم . وقد أحببت ان تضع لي كتابا بليغا تستفرغ فيه عقلك يكون ظاهره سياسة العامة وتأديبها على طاعة الملك وباطنه
--> ( 1 ) بسط : أطلق . ( 2 ) ضروب : أصناف . ( 3 ) والذي : الواو للقسم . ( 4 ) كفاه ذلك : أغناه عنه .