ابن المقفع

50

آثار ابن المقفع

ثم إن بيدبا جمع تلامذته ، فأحسن صلتهم ، ووعدهم وعدا جميلا ، وقال لهم : لست أشك أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم إن بيدبا قد ضاعت حكمته ، وبطلت فكرته ، إذ عزم على الدخول على هذا الجبار الطاغي . فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري وأني لم آته جهلا به لأني كنت أسمع من الحكماء قبلي تقول : إن الملوك لها سكرة كسكرة الشراب . فالملوك لا تفيق من السكرة إلا بمواعظ العلماء والواجب على الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء ، والواجب على العلماء تقويم الملوك بألسنتها وتأديبها بحكمتها وإظهار الحجة البينة اللازمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج والخروج عن العدل . فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم من سنة « 1 » سكرتهم ، كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحتها أو ردها إلى الصحة . فكرهت أن يموت أو أن أموت وما يبقى على الأرض إلا من يقول إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يرده عما كان عليه . فإن قال قائل : إنه لم يمكنه كلامه خوفا على نفسه ، قالوا كان الهرب منه ومن جواره أولى به ، والانزعاج « 2 » عن الوطن شديد ، فرأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذرا ، فحملتها على التغرير « 3 » ، أو الظفر بما أريده ، وكان من ذلك ما أنتم معاينوه . فإنه يقال في بعض الأمثال : إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث : إما بمشقة تناله في نفسه ، وإما بوضيعة « 4 » في ماله ، أو وكس « 5 » في دينه . ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب .

--> ( 1 ) سنة : نوم . ( 2 ) الانزعاج : التحول والانتقال . ( 3 ) التغرير : التعريض للهلكة . ( 4 ) وضيعة : خسارة . ( 5 ) وكس : نقصان .