ابن المقفع

49

آثار ابن المقفع

نهية « 1 » لمثلك . قال : صدقت ، أيها الحكيم الفاضل ، وقد وليتك « 2 » من مجلسي هذا إلى جميع أقاصي مملكتي . فقال له : أيها الملك أعفني من هذا الأمر ، فإني غير مضطلع بتقويمه « 3 » إلا بك ، فأعفاه من ذلك . فلما انصرف علم أن الذي فعله ليس برأي ، فبعث فرده وقال : إني فكرت في إعفائك مما عرضته عليك فوجدته لا يقوم إلا بك ولا ينهض به غيرك ولا يضطلع به سواك ، فلا تخالفني فيه . فأجابه بيدبا إلى ذلك . وكانت عادة ذلك الزمان ، إذا استوزروا وزيرا ، أن يعقدوا على رأسه تاجا ويركب في أهل المملكة ويطاف به في المدينة . فأمر الملك أن يفعل ببيدبا ذلك . فوضع التاج على رأسه وركب في المدينة ورجع ، فجلس بمجلس العدل والإنصاف يأخذ للدنيء من الشريف ، ويساوي بين القوي والضعيف ، ورد المظالم ووضع سنن العدل ، وأكثر من العطاء والبذل . واتصل الخبر بتلامذته فجاءوا من كل مكان فرحين بما جدّد اللّه له من جديد رأي الملك فيه ، وشكروا اللّه تعالى على توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عما كان عليه من سوء السيرة . واتخذوا ذلك اليوم عيدا يعيدون فيه فهو إلى اليوم عيد يعيدونه في بلاد الهند . - 8 - ثم إن بيدبا ، لما أخلى فكره من اشتغاله بدبشليم ، تفرغ لوضع كتب السياسة ونشط لها فعمل كتبا كثيرة فيها دقائق الحيل . ومضى الملك على ما رسم له بيدبا من حسن السيرة والعدل في الرعية فرغبت إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه وانقادت له الأمور على استوائها وفرحت به رعيته وأهل مملكته .

--> ( 1 ) نهية : الاسم من النهي وهو الامر بترك العمل ( 2 ) وليتك : قلدتك الولاية . ( 3 ) غير مضطلع : غير قادر عليه . . . والتقويم : الإدارة والاصلاح .