ابن المقفع

48

آثار ابن المقفع

لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف ، وضيعت واجب حقه وحملني على ذلك سرعة الغضب . وقد قالت العلماء : لا ينبغي أن تكون في الملوك : الغضب ، فإنه أجدر الأشياء مقتا ، والبخل ، فإن صاحبه ليس بمعذور مع ذات يده « 1 » ، والكذب ، فإنه ليس لأحد ان يجاوره ، والعنف في المحاورة ، فإن السفه ليس من شأنها . وإني أتى إلي رجل نصح لي ، ولم يكن مبلّغا « 2 » ، فعاملته بضد ما يستحق ، وكافأته بخلاف ما يستوجب . وما كان هذا جزاءه مني ، بل كان الواجب ان أسمع كلامه وأنقاد لما يشير به . . ثم انفذ في ساعته من يأتيه به . - 7 - فلما مثل « 3 » بين يديه قال له : يا بيدبا ، ألست الذي قصدت تقصير همتي وعجزت رأيي في سيرتي بما تكلمت به آنفا . قال له بيدبا : أيها الملك الناصح الشفيق ، الصادق الرفيق ، إنما نبأتك بما فيه صلاح لك ولرعيتك ودوام ملكك لك . قال له الملك : يا بيدبا ، أعد علي كلامك كله ولا تدع منه حرفا جئت به . فجعل بيدبا ينثر كلامه والملك مصغ إليه ، وجعل دبشليم كلما سمع منه شيئا ينكت الأرض « 4 » بشيء كان في يده . ثم رفع طرفه « 5 » إلى بيدبا وأمره بالجلوس . وقال له : يا بيدبا إني قد استعذبت كلامك وحسن موقعه في قلبي ، وانا ناظر في الذي أشرت به وعامل بما أمرت . ثم امر بقيوده فحلت وألقى عليه من لباسه وتلقاه بالقبول . فقال بيدبا : أيها الملك ، ان في دون « 6 » ما كلمتك به

--> ( 1 ) ذات يده : ميسرته ( 2 ) مبلغا : اي مبلغا من طريق الدسيسة . ( 3 ) مثل : انتصب ( 4 ) ينكت الأرض : يضربها بقضيب ونحوه وهو مما يفعله المتفكر ( 5 ) طرفه : نظره . ( 6 ) مر الكلام عن دون وهنا بمعنى غير .