ابن المقفع

42

آثار ابن المقفع

الوقت ألقى عليه مسوحه « 1 » ، وهي لباس البرهمة « 2 » ، وقصد باب الملك ، وسأل عن صاحب إذنه « 3 » ، وأرشد إليه ، وسلم عليه ، وأعلمه ، وقال له : إني رجل قصدت الملك في نصيحة . فدخل الآذن « 4 » على الملك في وقته وقال : بالباب رجل من البراهمة ، يقال له بيدبا ، ذكر أن معه للملك نصيحة . فأذن له ، فدخل ووقف بين يديه ، وكفر « 5 » وسجد له ، واستوى « 6 » قائما ، وسكت . وفكر دبشليم في سكوته وقال : إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين : إما أن يلتمس منا شيئا يصلح به حاله ، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة . ثم قال : إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلا في حكمتها أعظم . لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم ، وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال . وقد وجدت العلم والحياء إلفين متآلفين « 7 » لا يفترقان ، متى فقد أحدهما لم يوجد الآخر ، كالمتصافيين « 8 » إن عدم منهما أحد لم يطب صاحبه نفسا بالبقاء بعده تأسفا عليه . ومن لم يستح من الحكماء ويكرمهم ويعرف فضلهم على غيرهم ، ويصنهم عن المواقف الواهنة « 9 » ، وينزههم عن المواطن الرذلة ، كان ممن حرم عقله وخسر دنياه ، وظلم الحكماء حقوقهم ، وعد من الجهّال . ثم رفع رأسه إلى بيدبا وقال له : نظرت إليك يا بيدبا ساكتا لا تعرض حاجتك ، ولا تذكر بغيتك « 10 » فقلت : إن الذي أسكته هيبة ساورته « 11 » ، أو حيرة أدركته ، وتأملت عند ذلك في طول وقوفك وقلت : لم يكن لبيدبا

--> ( 1 ) مسوحه : جمع مسح وهو ثوب من شعر . ( 2 ) البراهمة : جماعة من العلماء في الهند وهم الطبقة الأولى هناك . ( 3 ) صاحب اذنه : حاجبه . ( 4 ) الآذن : صاحب الاذن . ( 5 ) كفر : خضع وتطامن اي انحنى . ( 6 ) استوى : نهض . ( 7 ) الف فلان فلانا : صادقه فالآلف اسم فاعل والإلف الاسم معناهما المصادق والعشير ، تآلفا ، تصادقا . ( 8 ) المتصافيين : المتوادين . ( 9 ) الواهنة : الضعيفة . ( 10 ) بغيتك : طلبتك . ( 11 ) ساورته : غالبته .