ابن المقفع
43
آثار ابن المقفع
أن يطرقنا « 1 » على غير عادة ، إلا لأمر حرّكه إلى ذلك ، فإنه من أفضل أهل زمانه ، فهلّا نسأله عن سبب دخوله ؟ فإن يكن من ضيم ناله كنت أولى من أخذ بيده ، وسارع في تشريفه ، وتقدم في البلوغ إلى مراده وإعزازه . وإن كانت بغيته غرضا من أغراض الدنيا أمرت بإرضائه من ذلك فيما أحب . وإن يكن من أمر الملك ومما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه من أنفسهم ، ولا ينقادوا إليه ، نظرت في قدر عقوبته . على أن مثله لم يكن ليجترئ على إدخال نفسه في باب مسألة الملوك . وان كان شيئا من أمور الرعية يقصد فيه أن أصرف عنايتي إليهم نظرت ما هو ، فإن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير ، والجهال يشيرون بضده . وأنا قد فسحت « 2 » لك في الكلام . فلما سمع بيديا ذلك من الملك أفرخ « 3 » عنه روعه ، وسرّي « 4 » ما كان وقع في نفسه من خوفه وكفر له وسجد ، ثم قام بين يديه وقال : أول ما أقول : إني أسأل اللّه تعالى بقاء الملك على الأبد ، ودوام ملكه على الأمد « 5 » لأنه قد منحني الملك في مقامي هذا محلا جعله شرفا لي على جميع من بعدي من العلماء ، وذكرا باقيا على الدهر عند الحكماء . ثم أقبل على الملك بوجهه مستبشرا به فرحا بما بدا له منه ، وقال : قد عطف عليّ الملك بكرمه وإحسانه ، والأمر الذي دعاني إلى الدخول على الملك وحملني على المخاطرة في كلامه ، والإقدام عليه ، نصيحة اختصصته بها دون غيره . وسيعلم من يتصل به ذلك أني لم أقصر عن غاية فيما يجب للمولى على الحكماء ، فإن فسح في كلامي ووعاه « 6 » عني فهو حقيق بذلك ، وإن هو ألقاه فقد بلغت ما يلزمني وخرجت من لوم يلحقني . فقال الملك : يا بيدبا ، تكلم مهما شئت ، فإنني مصغ إليك ، ومقبل عليك ،
--> ( 1 ) يطرقنا : يأتينا . ( 2 ) فسحت . اذنت . ( 3 ) أفرخ روعه . ذهب خوفه . ( 4 ) سري . زال . ( 5 ) الأمد . المدى . ( 6 ) وعاه : حفظه .