ابن المقفع
38
آثار ابن المقفع
- 2 - فلما رأت الهنود ما نزل بهم وما صار إليه ملكهم حملوا على الإسكندر فقاتلوه قتالا أحبوا معه الموت . فوعدهم من نفسه الإحسان ، ومنحه اللّه أكتافهم « 1 » ، فاستولى على بلادهم ، وملّك عليهم رجلا من ثقاته « 2 » . وأقام بالهند حتى استوسق « 3 » له ما أراد من أمرهم ، واتفاق كلمتهم . ثم انصرف عن الهند وخلّف ذلك الرجل عليهم ومضى متوجها نحو ما قصد له . فلما بعد ذو القرنين عن الهند بجيوشه تغيرت الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلفه عليهم وقالوا : ليس يصلح للسياسة ، ولا ترضى الخاصة والعامة أن يملّكوا عليهم رجلا ليس هو منهم ولا من أهل بيوتهم ، فإنه لا يزال يستذلهم ويستقلهم . واجتمعوا يملّكون عليهم رجلا من أولاد ملوكهم . فملّكوا عليهم ملكا يقال له دبشليم ، وخلعوا الرجل الذي كان خلّفه عليهم الإسكندر . فلما استوسق له الأمر ، واستقر له الملك ، طغى وبغى ، وتجبّر وتكبّر ، وجعل يغزو من حوله من الملوك ، وكان مع ذلك مؤيدا مظفرا منصورا ، فهابته الرعية . فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة عبث بالرعية ، واستصغر أمرهم ، وأساء السيرة فيهم ، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتوّا « 4 » ، فمكث على ذلك برهة من دهره . وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضل حكيم يعرف بفضله ويرجع في الأمور إلى قوله يقال له بيدبا : فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية ، فكرّ في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه ، وردّه إلى العدل والإنصاف . فجمع لذلك تلامذته وقال : أتعلمون ما
--> ( 1 ) منحه الله أكتافهم : مكنه منهم فهزمهم ( 2 ) ثقاته : ممن يثق بهم ( 3 ) استوسق : اجتمع . ( 4 ) عتوا : تجبرا .