ابن المقفع

39

آثار ابن المقفع

أريد أن أشاوركم فيه ؟ اعلموا أني أطلت الفكرة في دبشليم ، وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية . ونحن ما نروض أنفسنا « 1 » لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل . ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا أن كنا في أنفس الجهال أجهل منهم ، وفي العيون عندهم أقل منهم ، وليس الرأي عندي الجلاء « 2 » عن الوطن ، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه من سوء السيرة وقبح الطريقة ، ولا يمكننا مجاهدته « 3 » بغير ألسنتنا ولو ذهبنا إلى أن نستعين بغيرنا لم تتهيأ لنا معاندته . وإن أحس منا بمخالفته وإنكارنا سوء سيرته كان في ذلك بوارنا « 4 » . وقد تعلموا أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور على طيب الوطن ، ونضارة العيش « 5 » غدر بالنفس . وإن الفيلسوف لحقيق « 6 » أن تكون همته مصروفة إلى ما يحصن به نفسه من نوازل المكروه ، ولواحق المحذور ، ويدفع المخوف لاستجلاب المحبوب . ولقد كنت أسمع أن فيلسوفا كتب إلى تلميذه يقول : إن مجاورة رجال السوء ، والمصاحبة لهم كراكب البحر ، إن هو سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف . فإذا هو أورد الهلكات ومصادر المخوفات ، عد من الحمير التي لا نفس لها ، لأن الحيوانات البهيمية قد خصت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النفع وتتوقى المكروه ، وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها موردا فيه هلكتها . وأنها متى أشرفت على مورد مهلك لها ، مالت بطبائعها التي ركبت فيها شحّا « 7 » بأنفسها وصيانة لها إلى النفور والتباعد عنه . وقد جمعتكم لهذا الأمر لأنكم أسرتي ، ومكان سري ، وموضع معرفتي ،

--> ( 1 ) نروض أنفسنا : أي نمرن أنفسنا ونعودها . ( 2 ) الجلاء : النزوح . ( 3 ) مجاهدته : مقاتلته . ( 4 ) بوارنا : هلاكنا . ( 5 ) نضارة العيش : طيبه ورفاهه . ( 6 ) حقيق : أهل . ( 7 ) شحا : بخلا .