ابن المقفع
378
آثار ابن المقفع
وأعملت نحوك مطيته لترى حرصي على مودتك ورغبتي في مؤاخاتك والسلام . . . . جواب من يحيى بن زياد في صفة الإخاء : اما بعد فانا لما رأينا موضع الإخاء ممن يحتمله في تأنيسه من الوحشة وتقريبه لذي البعدة ومشاركته بين ذوي الارحام في القربة ، لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته فنسبنا الإخاء فوجدناه في نسبته لا يستحق اسم الإخاء إلا بالوفاء . فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه انتسب لنا إلى الصبر فوجدناه محتويا على الكرم والنجدة والصدق والحياء والنجابة والزكانة وسائر ما لا يأتي عليه العدد من المحامد ثم انحدرنا فيما اصعدنا فيه من هذا النسب فعدنا إلى الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلها أخلاقه . ولما استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها رأينا أن نتخير له المواضع في صواب التوزير ، واحكام التقدير وعلمنا أن الاحتباس به أحسن من الندم بعد بذله واستوجب إذ كان جماع المحامد ان نتحيز له محامله التي كان يحمل عليها فكان الناس فيما احتسبنا به عنهم من الإخاء على صنفين : فصنف عذرونا بالتحبس للتخير إذ كان التخير من شأنهم ، وصنف هم ذوو سرعة إلى الأخاء وسرعة في الانتهاء فقدموا اللائمة واستعجلوا بالمودة ، وتركوا باب التروية ، واستحلوا عاجل المحبة ، ولهوا عن آجل الثقة فكانوا بذلك أهل لائمة ولم يجد المعذرون إلا الصبر على تلك والاستعمال للرأي والاستعداد بالعذر عند المحاجة . وقد فهمت كتابك إلي بالمودة واستحثاثك إياي في الأخوة ، وما دنوت به من حرمة المحبة فنازعت إليك نفسي بمثل الذي نازعت به اليّ نفسك ، فلو أثبتني عادة الاستعمال