ابن المقفع
360
آثار ابن المقفع
وغيرهم لأن ذلك من تمام السيرة العادلة والكلمة الحسنة التي قد رزق اللّه أمير المؤمنين وأكرمه بها من الرأي الذي هو بإذن اللّه حمى ونظام لهذه الأمور كلها في الأمصار والأجناد والثغور والكور . ان بالناس من الاستجراح والفساد ما قد علم أمير المؤمنين وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم وطرائقهم ما هو اشدّ من حاجتهم إلى اقواتهم التي يعيشون بها . وأهل كل مصر وجند أو ثغر فقراء ، إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسنة والسير والنصيحة مؤدبون مقومون يذكرون ويبصرون الخطأ ويعظون عن الجهل ، ويمنعون عن البدع ويحذرون الفتن ويتفقدون أمور عامة من هو بين أظهرهم حتى لا يخفى عليهم منها مهم ثم يستصلحون ذلك ويعالجون على ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح يرفعون ما أعياهم إلى ما يرجون قوته عليهم مأمونين على سير ذلك وتحصينه ، بصراء بالرأي حين يبدو أو أطباء باستئصاله قبل ان يتمكن . وفي كل قوم خواص رجال عندهم على هذا معونة إذا صنعوا لذلك وتلطف لهم وأعينوا على رأيهم وقوّوا على معاشهم ببعض ما يفرّغهم لذلك ويبسطهم له . وخطر هذا جسيم في امرين . أحدهما برجوع أهل الفساد إلى الصلاح وأهل الفرقة إلى الألفة ، والامر الآخر ان لا يتحرك متحرك في امر من أمور العامة إلا وعين ناصحة ترمقه ، ولا يهمس هامس إلا واذن شفيقة تصيخ نحوه . وإذا كان ذلك لم يقدر أهل الفساد على تربيص الأمور وتلقيحها ، وإذا لم تلقح كان نتاجها بإذن اللّه مأمونا . وقد علمنا علما لا يخالطه شك ان عامة قطّ لم تصلح من قبل أنفسها ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها . وان خاصة قط لم تصلح من قبل أنفسها وانها لم يأتها الصلاح إلا من قبل امامها . وذلك لأن عدد الناس في ضعفتهم وجهالهم الذين لا يستغنون برأي أنفسهم ولا يحملون العلم