ابن المقفع

355

آثار ابن المقفع

الصدق هو ذلك . . ولا يعتبر بالمقايس فإنه لو أراد ان يقوده الصدق لم ينقد له . وذلك ان رجلا لو قال : أتأمرني ان أصدق فلا أكذب كذبة ابدا ؟ لكان جوابه ان تقول نعم ، ثم لو التمس منه قول ذلك فقال : أتصدق في كذا وكذا ؟ حتى يبلغ به ان يقول الصدق في رجل هارب استدلني عليه طالب ليظلمه فيقتله لكسر عليه قياسه وكان الرأي له ان يترك ذلك وينصرف إلى المجمع عليه المعروف المستحسن . ومما يذكر به أمير المؤمنين أهل الشام . . فإنهم أشد الناس مؤونة وأخوفهم عداوة وبائقة . وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة ولا يطمع منهم في الاستجماع على المودة فمن الرأي في أمرهم ان يختص أمير المؤمنين منهم خاصة ممن يرجو عنده صلاحا ، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء . . فإن أولئك لا يلبثون ان ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى ويدخلوا فيما حملوا عليه من أمرهم فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام ولكن أخذ في امر أهل الشام على القصاص . . وحرموا كما كانوا يحرمون الناس وجعل فيئهم إلى غيرهم كما كان فيء غيرهم إليهم ، ونحوا عن المنابر والمجالس والأعمال كما كانوا ينحون عن ذلك من لا يجهلون فضله في السابقة والمواضع ، ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون الناس ان ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامة . فإن رغب أمير المؤمنين لنفسه عن هذه السيرة وما أشبهها فلم يعارض ما عاب ولم يمثل ما سخط كان العدل ان يقتصر بهم على فيئهم فيجعل ما خرج من كور الشام فضلا عن النفقات ، وما خرج من مصر فضلا عن حقوق أهل المدينة ومكة . . بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلتهم ديوانهم ، أو يزيد أو ينقص غير أنه يأخذ أهل