ابن المقفع

353

آثار ابن المقفع

منازلها لأن الناس لا يلقونه إلا متصنعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت والكلام غير أن أهل هذا النقص هم أشد تصنعا وأحلى السنة وأرفق تلطفا للوزراء أو تمحلا لأن يثنى عليهم من وراء وراء . فإذا آثر الوالي أن يستخلص رجلا واحدا ممن ليس لذلك اهلا دعا إلى نفسه جميع ذلك النوع وطمعوا فيه واجترأوا عليه وتواردوه وتزاحموا على ما عنده . . وإذا رأى ذاك أهل الفضل كفوا عنه وباعدوا منه وكرهوا أن يروا في غير موضعهم أو يزاحموا غير نظرائهم . ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال ، فيستحل الدم والفرج بالحيرة ، وهما يحرمان بالكوفة ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة فيستحل في ناحية منها ما يحرّم في ناحية أخرى ، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ المسلمين في دمائهم وحرمهم يقضي به قضاة جائز أمرهم وحكمهم مع أنه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق الا قد لجّ بهم العجب بما في أيديهم والاستخفاف ممن سواهم فأقحمهم ذلك في الأمور التي يغضب لها من سمعها من ذوي الألباب . . . . أما من يدعي لزوم السنة منهم فيجعل ما ليس له سنة سنة حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بينة ولا حجة على الأمر الذي يزعم أنه سنة ، وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول هريق فيه دم على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو أئمة الهدى من بعده . وإذا قيل له : أي دم سفك على هذه السنة التي تزعمون ؟ قالوا : فعل ذلك عبد الملك بن مروان أو أمير من بعض أولئك الأمراء . . وانما يأخذ آثار ابن المقفع ( 23 )