ابن المقفع
349
آثار ابن المقفع
ولو أن الإمام نهى عن الصلاة والصيام الحج أو منع الحدود وأباح ما حرم اللّه لم يكن له في ذلك امر . فاما اثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره فان ذلك في الرأي والتدبير والأمر الذي جعل اللّه أزمته وعراه بأيدي الأئمة ليس لأحد فيه امر ولا طاعة من الغزو والقفول والجمع والقسم والاستعمال والترك والحكم بالرأي فيما لم يكن فيه اثر . . . وامضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسنة ومحاربة العدو ومخادعته ، والأخذ للمسلمين والاعطاء عليهم . وهذه الأمور وأشباهها من طاعة اللّه عز وجل الواجبة وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام ومن عصى الإمام فيها أو خذله فقد أهلك نفسه . وليس يفترق هذان الأمران إلا ببرهان من اللّه عز وجل عظيم . وذلك ان اللّه جعل قوام الناس وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين : الدين والعقل ، ولم تكن عقولهم - وان كانت نعمة اللّه عز وجل عظمت عليهم فيها - بالغة معرفة الهدى ولا مبلغة أهلها رضوان اللّه ، إلا ما أكمل لهم من النعمة بالدين الذي شرع لهم ، وشرح به صدر من أراد هداه منهم ثم لو أن الدين جاء من اللّه لم يغادر حرفا من الأحكام والرأي والأمر وجميع ما هو وارد على الناس وجار فيهم مذ بعث اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم يلقونه إلا جاء فيه بعزيمة ، لكانوا قد كلفوا غير وسعهم فضيق عليهم في دينهم وآتاهم ما لم تسع اسماعهم لأستماعه ولا قلوبهم لفهمه ولحارت عقولهم والبابهم التي أمتنّ اللّه بها عليهم ، ولكانت لغوا لا يحتاجون إليها في شيء ولا يعملونها إلا في امر قد اتاهم به تنزيل ولكن اللّه منّ عليهم بدينهم الذي لم يكن يسعه رأيهم كما قال عباد اللّه المتقون : وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه . ثم جعل ما سوى ذلك من الأمر والتدبير إلى الرأي وجعل الرأي