ابن المقفع

348

آثار ابن المقفع

فان كثيرا من المتكلمين من قواد أمير المؤمنين اليوم إنما عامة كلامهم فيما يأمر الآمر ويرغم الراغم وأن أمير المؤمنين لو امر الجبال ان تسير سارت ولو امر أن تستدبر القبلة بالصلاة فعل ذلك ، وهذا كلام قلما يرتضيه من كان مخالفا ، وقلما يرد في سمع السامع إلا احدث في قلبه ريبة وشكا ، والذي يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى للأمر وأعز للسلطان واقمع للمخالف وارضى للموافق وأثبت للعذر عند اللّه عز وجل . فانا قد سمعنا فريقا من الناس يقولون : لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق . بنوا قولهم هذا بناء معوجا فقالوا : أن أمرنا الامام بمعصية اللّه فهو أهل أن يعصى . . . وان أمرنا الامام بطاعة اللّه فهو أهل أن يطاع . فإذا كان الإمام يعصى في المعصية وكان غير الامام يطاع في الطاعة فالامام ومن سواه على حق الطاعة سواء . وهذا قول معلوم يجده الشيطان ذريعة إلى خلع الطاعة والذي فيه أمنيته لئلا يكون للناس نظائر ولا يقوم بأمرهم امام ولا يكون على عدوهم منهم ثقل . سمعنا آخرين يقولون . . . بل نطيع الأئمة في كل أمورنا ولا نفتش عن طاعة اللّه ولا معصيته ، ولا يكون أحد منا عليهم حسيبا . . . هم ولاة الامر وأهل العلم ونحن الاتباع وعلينا الطاعة والتسليم . وليس هذا القول بأقل ضررا في توهين السلطان وتهجين الطاعة من القول الذي قبله ، لأنه ينتهي إلى الفظيع المتفاحش من الأمر في استحلال معصية اللّه جهارا صراحا . وقال أهل الفضل والصواب : قد أصاب الذين قالوا . لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصيبوا في تعطيلهم طاعة الأئمة وتسخيفهم إياها ، وأصاب الذين أقروا بطاعة الأئمة لما حقّقوا منها ، ولم يصيبوا فيما ابهموا من ذلك في الأمور كلها . . فاما اقرارنا فإنه لا يطاع الإمام في معصية اللّه فان ذلك في عزائم الفرائض والحدود التي لم يجعل اللّه لأحد عليها سلطانا .