ابن المقفع
322
آثار ابن المقفع
بغير بصر تائه حيران ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة محروم . وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها والإثابة لها والتنكيل بها . اما المحاسبة فيحاسبها بما لها فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة التي ما ذهب منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة ، وما جعل منها في الباطل لم يرجع إلى الحق فيتنبه لهذه المحاسبة عند الحول إذا حال ، والشهر إذا انقضى واليوم إذا ولى فينظر فيما افنى من ذلك وما كسب لنفسه فيه وما اكتسب عليها في امر الدين وامر الدنيا فيجمع ذلك في كتاب فيه إحصاء وجد وتذكير وتبكيت للنفس وتذليل لها حتى تعترف وتذعن . واما الخصومة فان من طباع النفس الأمّارة بالسوء أن تدّعي المعاذير فيما مضى والأماني فيما بقي فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها . واما القضاء فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة بأنها فاضحة مردية موبقة وللحسنة بأنها زائنة منجية مربحة . واما الإثابة والتنكيل فإنه يسر نفسه بتذكر تلك الحسنات ويرجو عواقبها وتأميل فضلها ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات والتبشع بها والاقشعرار منها والحزن لها . فافضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا اخذا وأقلهم عنها فترة . وعلى العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مرارا ذكرا يباشر به القلوب ويقذع الطماح فان في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر وأمانا باذن اللّه من الهلع . . . . وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الرأي وفي الأخلاق وفي الآداب فيجمع ذلك كله في صدره أو في كتاب ، ثم يكثر عرضه على نفسه ويكلفها اصلاحه ويوظف ذلك عليها توظيفا من اصلاح الخلة أو الخلتين والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر ، فكلما اصلح شيئا محاه وكلما نظر إلى ثابت اكتأب .