ابن المقفع

321

آثار ابن المقفع

عتاده وليعد له طول أيامه وليؤثر على أهوائه فإنه قد رام امرا جسيما لا يصلح على الغفلة ولا يدرك بالمعجزة ولا يصير على الأثرة ، وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم . وليعلم أن على العاقل أمورا إذا ضيعها حكم عليه عقله بمقارنة الجهال . فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون مستوون في الحب لما يوافق والبغض لما يؤذى ، وان هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطأ وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة والعجزة . الباب الأول من ذلك أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره فيعلم أن أحق ذلك بالطلب ان كان مما يحب واحقه بالاتقاء أن كان مما يكره أطوله وأدومه وأبقاه ، فإذا هو قد ابصر فضل الآخرة على الدنيا وفضل سرور المروءة على لذة الهوى وفضل الرأي الجامع العام الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا ثم يضمحل وفضل الاكلات على الاكلة والساعات على الساعة . والباب الثاني : هو أن ينظر فيما يؤثر من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف ولا رجاءه في غير المدرك . فيترك عاجل اللذات طلبا لآجلها ، ويحتمل قريب الأذى توقيا لبعيده فإذا صار إلى العاقبة بدا له أن قراره كان تورطا وان طلبه كان تنكبا . والباب الثالث من ذلك هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم ، وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف ، فان طالب الفضل