ابن المقفع
320
آثار ابن المقفع
واما الطلب فان الناس لا يغنيهم حبهم ما يحبون وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه ولا يدرك لهم بغيتهم نفاستها في أنفسهم دون الجد والعمل . واما التثبت والتخير فان الطلب لا ينفع الا معه وبه ، فكم من طالب رشد وجده والغي معا . . . فاصطفى منهما الذي منه هرب والغى الذي اليه سعى . فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد وهو لا يشك بالظفر فما احقه بشدة التبين وحسن الابتغاء . واما اعتقاد الشيء بعد استبانته فهو ما يطلب من احراز الفضل بعد معرفته . واما الحفظ والتعهد فهو تمام الدرك لان الانسان موكل به النسيان والغفلة فلا بد له إذا اجتبى صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته . واما البصر بالموضع فإنما تصير المنافع كلها إلى وضع الأشياء مواضعها ، وبنا إلى هذا كله حاجة شديدة فإننا لم نوضع في الدنيا موضع غناء وخفض ولكن موضع فاقة وكدّ ولسنا إلى ما يمسك بارماقنا من المطعم والمشرب باحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول . وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل . ولسنا بالكد في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضر والعيلة بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا . وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية ابصارها ، واحياء للتفكير وإقامة للتدبير ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق ان شاء اللّه . . . . الواصفون أكثر من العارفين . والعارفون أكثر من الفاعلين . فلينظر امرؤ اين يضع نفسه فان لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيبا من اللب يعيش به لا يحب ان له به من الدنيا ثمنا . وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب ان يسمى في ذوي الألباب ولا ان يوصف بصفاتهم . فمن رام ان يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف اهلا فليأخذ له