ابن المقفع
302
آثار ابن المقفع
ذلك بإماتته وتعظيمه بالتصغير له ، ولا تقتصرن في قلة المن على أن تقول : لا اذكره ولا اصغي بسمعي إلى من يذكره ، فان هذا قد يستحي منه بعض من لا يوصف بعقل ولا كرم ، ولكن احذر ان يكون في مجالستك إياه وما تكلمه به أو تستعينه عليه أو تجاريه فيه شيء من الاستطالة فان الاستطالة تهدم الصنيعة وتكدر المعروف . احترس من سورة الغضب وسورة الحمية وسورة الحقد وسورة الجهل وأعدد لكل شيء من ذلك عدة تجاهده بها من الحلم والتفكر والروية وذكر العاقبة وطلب الفضيلة ، واعلم انك لا تصيب الغلبة إلا بالجهاد وان قلة الاعداد لمدافعة الطبائع المتطلعة هو الاستسلام لها ، وانه ليس أحد إلا فيه من كل طبيعة سوء غريزة وانما التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء ، فاما أن يسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز فليس في ذلك مطمع ، إلا أن الرجل القوي إذا كابرها بالقمع لها كلها كلما تطلعت لم يلبث أن يميتها حتى كأنها ليست فيه ، وهي في ذلك كامنة كمون النار في العود فإذا وجدت قادحا من علة أو غفلة استورت . . كما تستوري النار عند القدح ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها كما لا تبدأ النار إلا بعودها التي كانت فيه . ذلل نفسك بالصبر على جار السوء وعشير السوء وجليس السوء فان ذلك ما لا يكاد يخطئك فان الصبر صبران : صبر الرجل على ما يكره ، وصبره عما يحب ، فالصبر على المكروه أكثرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطرا واعلم أن اللئام أصبر أجسادا والكرام اصبر نفوسا ، وليس الصبر الممدوح بان يكون جلد الرجل وقاحا أو رجله قوية على المشي أو يده قوية على العمل ، فإنما هذا من صفات الحمير ، ولكن أن يكون للنفس غلوبا وللأمور محتملا وفي الضر متجملا ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطا وللحزم مؤثرا وللهوى تاركا وللمشقة التي يرجو عاقبتها مستخفا وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظبا ولبصره بعزمه منفذا .