ابن المقفع
299
آثار ابن المقفع
استحي الحياء كله من أن تخبر صاحبك انك عالم وانه جاهل ، مصرحا أو معرضا ، وان استطلت على الاكفاء فلا تثقن منهم بالصفاء . ان آنست من نفسك فضلا فتحرج ان تذكره أو تبديه واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل ، واعلم انك ان صبرت ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف ، ولا يخفين عليك ان حرص الرجل على اظهار ما عنده وقلة وقاره في ذلك باب من البخل واللؤم ، وان من خير الأعوان على ذلك السخاء والتكرم . ان أحببت ان تلبس ثوب الوقار والجمال وتتحلى بحلية المودة عند العامة وتسلك الجدد الذي لاخبار « 1 » فيه ولا عثار فكن عالما كجاهل وناطقا كعيّ . فاما العلم فيرشدك واما قلة ادعائه فينفي عنك الحسد ، واما المنطق إذا احتجت اليه فسيبلغك حاجتك ، واما الصمت فيكسبك المحبة والوقار . وإذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته أو يخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تتعقبه عليه حرصا على أن يعلم الناس انك قد علمته فان في ذلك خفة وشحا وسوء أدب وسخفا . ليعرف اخوانك والعامة انك - ان استطعت - إلى أن تفعل ما لا تقول أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل فعلت ، فان فضل القول على الفعل عار وهجنة ، وفضل الفعل على القول زينة ، وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك أو أخبرت صاحبك عنه ان تحتجن بعض ما في نفسك اعدادا لفضل الفعل على القول ، وتحرزا بذلك عن تقصير فعل ان قصر وقلما يكون الا مقصرا .
--> ( 1 ) الجدد : المستوي من الأرض وقيل الأرض الصلبة وفي المثل من سلك الجدد امن العثار . والخبار ارض رخوة فيها حجرة وفي المثل من تجنب الخبار امن العثار .