ابن المقفع
300
آثار ابن المقفع
احفظ قول الحكيم الذي قال : لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل وفيما بينك وبين صديقك الرضى وذلك أن العدو خصم تضربه بالحجة وتغلبه بالحكام وان الصديق ليس بينك وبينه قاض فإنما حكمه رضاه . اجعل غاية تشبثك في مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة من تواصل توطين نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك وان ظهر لك منه ما تكره فإنه ليس كالمرأة التي تطلقها إذا شئت ولكنه عرضك ومروءتك ، فإنما مروءة الرجل اخوانه واخدانه فان عثر الناس على انك قطعت رجلا من اخوانك وان كنت معذرا نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للاخاء والملال ، وان أنت صبرت مع ذلك على مقارّته على غير الرضى عاد ذلك إلى العيب والنقيصة فالاتئاد الاتئاد والتثبت التثبت . إذا نظرت في حال من ترتئيه لاخائك فإن كان من اخوان الدين فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص ، وان كان من اخوان الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير ولا مشنوع فان الجاهل أهل لأن يهرب منه أبواه وان الكذاب لا يكون أخا صادقا لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه وانما سمي الصديق من الصدق ، وقد يتهم صدق القلب وان صدق اللسان فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان وان الشرير يكسبك العدو ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة وان المشنوع شانع صاحبه . تحرز من سكر السلطة وسكر العلم وسكر المنزلة وسكز الشباب فإنه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنة تسلب العقل وتذهب الوقار وتصرف القلب والسمع والبصر واللسان عن المنافع . اعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة وان انبساطك لهم يكسبك صديق السوء ، وفسولة الأصدقاء أضر من بغض الأعداء فإنك ان واصلت