ابن المقفع

295

آثار ابن المقفع

وثقته وانيسه في التكرمة والمكانة ، والذي يعينه على ذلك من الرأي انه يجد عنده من الألف والانس ما ليس واجدا عند غيره ، فليكن هذا مما تتحفظ فيه على نفسك وتعرف فيه عذر الرجل ورأيه ، والرأي فيه لنفسك مثل ذلك . . ان أرادك مريد على الدخول دون انيسك واليفك وموضع ثقتك وجدك وهزلك . واعلم أنه تكاد تكون لكل رجل غالبة حديث ، إما عن بلد من البلدان أو ضرب من ضروب العلم أو صنف من صنوف الناس أو وجه من وجوه الرأي ، وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف ويعرف منه الهوى فاجتنب ذلك في كل موطن ثم عند اولي الامر خاصة . لا تشكون إلى وزراء السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له ، فإنك لا تزيد على أن تفطنهم لميله وتغريهم بتزيين ذلك له والميل عليك معه . اعلم أن الرجل ذا الجاه عند الوالي والخاصة لا محالة انه يرى من الوالي ما يخالفه من الرأي في الناس والأمور ، فإذا آثر ان يكره كل ما يخالفه أو يمتعض من الجفوة يراها في المجلس أو النبوة في الحاجة أو الرد للرأي أو الادناء لمن لا يهوى ادناءه والاقصاء لمن يكره اقصاءه . فإذا وقعت في قلبه الكراهية تغير لذلك وجهه ورأيه وكلامه حتى يبدو ذلك للوالي وغيره وكان ذلك لفساد منزلته سببا فذلل نفسك باحتمال ما خالفك من رأي الولاة وقررها بأنهم انما كانوا أولياءك لتتبعهم في آرائهم وأهوائهم ولا تكلفهم اتباعك وتغضب من خلافهم إياك . اعلم أن الملوك يقبلون من وزرائهم التبخيل ويعدونه منهم شفقة ونظرا ، ويحمدونهم عليه وان كانوا اجوادا ، فان كنت مبخلا غششت صاحبك بفساد مروءته وان كنت مسخيا لم تأمن اضرار ذلك بمنزلتك