ابن المقفع
296
آثار ابن المقفع
عنده فالرأي لك تصحيح النصيحة على وجهها والتماس المخرج فيما تترك من تبخيل صاحبك بان لا يعرف منك فيما تدعوه اليه ميلا إلى شيء من هواك ولا طلبا لغير ما ترجو ان يزينه وينفعه . لا تكونن صحبتك للملوك الا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك ، وموافقتهم فيما خالفك ، وتقدير الأمور على ميلهم دون ميلك وعلى أن لا تكتمهم سرك ولا تستطلع ما كتموه ، وتخفي ما اطلعوك عليه من الناس كلهم حتى تحمي نفسك الحديث به ، وعلى الاجتهاد في رضاهم والتلطف لحاجاتهم والتثبيت لحجتهم والتصديق لمقالتهم والتزيين لرأيهم وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا ، وترك الاستحسان لما فعلوا إذا أحسنوا ، وكثرة النشر لمحاسنهم ، وحسن الستر لمساويهم والمقاربة لمن قاربوا وان كان بعيدا والمباعدة لمن باعدوا . . وان كانوا أقرباء والاهتمام بأمرهم وان لم يهتموا به ، والحفظ له وان ضيعوه والذكر له وان نسوه ، والتخفيف عنهم لمؤونتك والاحتمال لهم كل مؤونة والرضى عنهم بالعفو وقلة الرضى من نفسك لهم بالمجهود . فان وجدت عنهم وعن صحبتهم غنى فأغن عن ذلك نفسك ، واعتزل جهدك فإن من يأخذ عملهم يحول بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة ، ومن لا يأخذ بحقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة . انك لا تأمن أنفهم ان أعلمتهم ولا عقوبتهم ان كتمتهم ، ولا تأمن غضبهم ان صدقتهم ولا تأمن سلوتهم ان حدثتهم . ان لزمتهم لم تأمن تبرمهم بك ، وان زايلتهم لم تأمن عقابهم ، وانك ان تستأمرهم حملت المؤونة عليهم وان قطعت الامر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم ، انهم ان سخطوا عليك اهلكوك وان رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تطيق ، فان كنت حافظا ان بلوك ، جلدا ان قربوك أمينا ان ائتمنوك ، تشكرهم ولا تكلفهم الشكر بصيرا بأهوائهم مؤثرا لمنافعهم ذليلا