ابن المقفع
294
آثار ابن المقفع
ان يقر له ، ولا ان يكون له عليه في الرأي والعلم فضل فاجترأوا عليه بالخلاف والنقض ، فان ناقضهم كان كأحدهم وليس بواجد في كل حين سامعا فهما وقاضيا عدلا وان ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول . إذا أصبت عند الوالي لطف منزلة لغناء « 1 » يجده عندك أو هوى يكون له فيك فلا تطمحن كل الطماح ، ولا تزينن لك نفسك المزايلة له عن اليفه وموضع ثقته وسره قبلك بان تقتلعه وتدخل دونه ، فان هذه خلة من خلال السفه قد يبتلي بها الحلماء عند الدنو من ذي السلطان حتى يحدث الرجل منهم نفسه ان يكون دون الأهل والولد لفضل يظنه في نفسه أو نقص يظنه بغيره ، ولكل رجل من الملوك أو ذي هيئة من السوقة « 2 » أليف وأنيس قد عرف روحه واطلع على قلبه فليست عليه مؤونة في تبذل يتبذل له عنده ، أو رأي يستنزله منه أو سر يفشيه اليه ، غير أن تلك الأنسة « 3 » وذلك التبذل يستخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدد ، ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته ومؤانسته إن كان ذا فضل في الرأي والعلم لم يجد عنده مثل ما هو منتفع ممن هو دون ذلك في الرأي ممن قد كفي مؤانسته ووقع على طباعه ، لان الأنسة روح القلب والوحشة روع عليه ، ولا يلتاط « 4 » بالقلوب الا ما لان عليها ومن استقبل الأنس بالوحشة استقبل امرا ذا مؤونة ، فإذا كلفتك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت فاقعدها من ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس ، وإذا حدثتك نفسك أو غيرك ممن لعله يكون له فضل في المروءة . . انك أولى بالمنزلة عند الكبير من بعض دخلائه وثقاته فاذكر الذي عليه من حق اليفه
--> ( 1 ) الغناء : بالفتح الكفاية . ( 2 ) السوقة : خلاف الملك يستوي فيه الواحد والجمع والذكر والموءنث وربما جمع على سوق مثل غرفة وغرف . ( 3 ) الانسة : بالتحريك ضد الوحشة . ( 4 ) التاط الشيء بقلبه : لصق به من فرط الحب .