ابن المقفع

293

آثار ابن المقفع

تدبرتها وفكرت فيما عندك ، ثم هيأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابا رضيا ، ثم استدبرت به أقاويلهم حتى تصيخ إليك الاسماع ويهدأ عنك الخصوم ، وان لم يبلغك الكلام حتى يكتفي بغيرك ، أو ينقطع الحديث قبل ذلك فلا يكون من العيب عندك ولا من الغبن في نفسك فوت ما فاتك من الجواب ، فان صيانة القول خير من سوء وضعه وان كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مئة كلمة أمثالها في غير فرصها ومواضعها ، مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل وسوء التقدير وان ظن صاحبه انه قد اتقن واحكم . واعلم أن هذه الأمور لا تنال الا برحب الذرع عندما قيل وما لم يقل ، وقلة الاعظام لما ظهر من المروءة أو لم يظهر ، وسخاوة النفس عن كثير من الصواب مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء . إذا كلمك الوالي فاصغ إلى كلامه ، ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا اطرفك بعمل ولا قلبك بحديث نفسك ، واحذر هذا من نفسك وتعهد ما فيه . . . ارفق بنظرائك من وزراء السلطان ودخلائه واتخذهم اخوانا ولا تتخذهم أعداء ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها والعمل يؤمرون به ، فإنما أنت في ذلك أحد رجلين اما ان يكون عندك فضل على ما عند غيرك فسوف يبدو ذلك ويحتاج اليه ويلتمس منك وأنت مجمل ، واما ان لا يكون ذلك عندك فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك ، وما أنت واجد في موافقتك إياهم ولينك لهم من موافقتهم إياك ولينهم لك أفضل مما أنت مدركه بالمنافسة والمناظرة . لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك ، فإنا قد رأينا الناس يعترفون بفضل الرجل وينقادون له ويتعلمون منه وهم معه ، فإذا حضروا السلطان لم يرض أحد منهم