ابن المقفع
285
آثار ابن المقفع
تستنم إليه فإن الأمر الجديد مما تكون له مهابة في أنفس أقوام وحلاوة في أنفس آخرين ، فيعين قوم بأنفسهم ويعين قوم بما قبلهم ويستتب بذلك الأمر غير طويل ثم تصير الشؤون إلى حقائقها وأصولها فما كان من الأمر بني على غير أركان وثيقة ولا عماد محكم أوشك أن يتداعى ويتصدع . لا تكونن نزر الكلام والسلام ، ولا تفرطن بالهشاشة والبشاشة فان إحداهما من الكبر والأخرى من السخف . . . إذا كنت لا تضبط امرك ولا تصول على عدوك إلا بقوم لست منهم على ثقة من رأي ولا حفاظ من نية ، فلا تنفعك نافعة حتى تحولهم إن استطعت إلى الرأي والأدب الذي بمثله تكون الثقة أو تستبدل بهم إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد . ولا تغرنك قوتك بهم وإنما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه من نظر اليه وهو لمركبه أهيب . ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته . وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد . وليس له أن يبخل لأنه أقل الناس عذرا في تخوف الفقر . وليس له أن يكون حقودا لأن خطره قد عظم عن مجازاة كل الناس . وليتق أن يكون حلّافا فأحق الناس باتقاء الايمان الملوك ، فإنما يحمل الرجل على الحلف احدى هذه الخلال : اما مهانة يجدها في نفسه وضرع وحاجة إلى تصديق الناس إياه ، واما عي بالكلام حتى يجعل الايمان له حشوا ووصلا ، واما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل منه قوله إلا بعد جهد اليمين ، وأما عبث في القول أو ارسال اللسان على غير روية ولا تقدر . لا عيب على الملك في تعيشه وتنعمه إذا تعهد الجسيم من امره وفوّض ما دون ذلك إلى الكفاة . * * * كل الناس حقيق حين ينظر في امر الناس أن يتهم نظره بعين الريبة