ابن المقفع
284
آثار ابن المقفع
واعلم انك ما شغلت من رأيك بغير المهم ازرى بالمهم « 1 » ، وما صرفت من مالك بالباطل فقدته حين تريده للحق ، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضر بك في العجز عن أهل الفضل وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة ازرى بك في الحاجة . اعلم أن من الناس ناسا كثيرا جعل من أحدهم الغضب إذا غضب ان يحمله ذلك على الكلوح « 2 » والتقطيب في وجه غير من أغضبه ، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له والعقوبة لمن لم يكن يهم بعقوبته وسوء المعاقبة باليد واللسان لمن لم يكن يريد به الا دون ذلك ، ثم يبلغ به الرضى إذا رضي ان يتبرع بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده ، ويعطي من لم يكن أعطاه ويكرم من لا حق له ولا مودة ، فاحذر هذا الباب كله فإنه ليس أحد أسوأ حالا من أهل القدرة الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم وسرعة رضاهم ، فإنه لو وصف بصفة من يتلبس بعقله أو يتخبطه المسّ ان يعاقب في غضبه غير من أغضبه ويحبو عند رضاه غير من أرضاه لكان جائزا ذلك في صفته . . . . اعلم أن الملك ثلاثة : ملك دين وملك حزم وملك هوى فاما الدين فإنه إذا أقيم لأهله دينهم ، وكان دينهم هو الذي يعطيهم مالهم ويلحق بهم الذي عليهم ارضاهم ذلك ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الاقرار والتسليم ، واما ملك الحزم فإنه يقوم به الامر ولا يسلم من الطعن والتسخط ، ولن يضر طعن الدليل مع حزم القوي . واما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر . إذا كان سلطانك عند جدة دولة ، فرأيت امرا استقام بغير رأي وأعوانا جزوا بغير نيل ، وعملا انجح بغير حرم ، فلا يغرنك ذلك ، فلا
--> ( 1 ) ازريت به : قصرت به وحقرته . ( 2 ) الكلوح : تكشر في عبوس .