ابن المقفع
265
آثار ابن المقفع
عوقب معاقب بأشد من عقاب من كف عن ذلك وهو قادر عليه ولو بمشقة مما خلا ذهاب نفسه . فأخذ حبلا وأدلاه إلى البئر فتعلق به القرد لخفته فخرج ، ثم أدلاه ثانية فالتفت به الحية فخرجت ، ثم أدلاه ثالثة فتعلق به الببر فأخرجه . فشكرن له صنيعه وقلن له لا تخرج هذا الرجل من الركية فإنه ليس شيء أقل من شكر الإنسان . ثم قال له القرد : إن منزلي في جبل قريب من مدينة يقال لها نوادرخت . فقال له الببر : أنا أيضا في أجمة إلى جانب تلك المدينة . قالت الحية : وأنا في سور تلك المدينة فإن أنت مررت بنا يوما من الدهر واحتجت إلينا فصوت علبنا حتى نأتيك فنجزيك بما أسديت إلينا من المعروف . فلم يلتفت السائح إلى ما ذكروا له من قلة شكر الإنسان وأدلى الحبل فأخرج الصائغ فسجد له وقال : لقد أوليتني معروفا ، فإن مررت يوما من الدهر بمدينة نوادرخت ، فاسأل عن منزلي فأنا رجل صائغ واسمي فلان لعلي أكافئك بما صنعت إلي من المعروف . فانطلق الصائغ إلى مدينته وانطلق السائح إلى وجهته . فعرض بعد ذلك أن السائح اتفقت له حاجة إلى تلك المدينة فانطلق ، فاستقبله القرد فسجد له وقبل رجليه واعتذر إليه وقال : إن القرود لا يملكون شيئا ، ولكن اقعد حتى آتيك ، وانطلق القرد وأتاه بفاكهة طيبة فوضعها بين يديه ، فأكل منها حاجته . ثم إن السائح انطلق حتى دنا من باب المدينة فاستقبله الببر فخرّ له ساجدا وقال له : إنك قد أوليتني معروفا فاطمئن ساعة حتى آتيك . فانطلق الببر فدخل في بعض الحيطان إلى بنت الملك فقتلها وأخذ حليها ، فأتاه به من غير أن يعلم السائح من أين هو . فقال في نفسه : هذه البهائم قد أولتني هذا الجزاء فكيف لو أتيت إلى الصائغ ؟ فإنه إن كان معسرا لا يملك شيئا فسيبيع هذا الحلي فيستوفي ثمنه فيعطيني بعضه ويأخذ بعضه وهو أعرف بثمنه . فانطلق السائح فأتى إلى الصائغ ، فلما رآه