ابن المقفع
264
آثار ابن المقفع
معالجته ، ولا ينبغي أن يختصوا بذلك قريبا لقرابته ، ولا أحدا من خاصتهم لشرفه إذا كان غير محتمل للصنيعة ، فإنه إنما شرف بتشريفهم إياه ، ولا أن يمنعوا معروفهم وجميلهم عن بعيد لبعده ، أو خامل لخموله إذا كان عارفا بحق ما يصطنع إليه مؤديا لشكر ما أنعم عليه . وقد قيل : لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر أحدا من الناس حتى البهائم ، ولكنه خليق أن يبلوهم ويختبرهم ويكون ما يصنع إليهم على قدر ما يرى منهم ، فقد يكون الخير عند من يظن به الشر ، والشر عند من يظن به الخير . وإن طبائع الخلق ، أيها الملك ، مختلفة ، وليس مما خلقه اللّه مما يمشي على أربع ، أو على رجلين ، أو يطير بجناحين ، أو يسبح في الماء شيء هو أفضل من الإنسان . ومع ذلك فربما تحذر العاقل من الناس فلم يأمن أحدا منهم وأخذ ابن عرس فأدخله في كمه وأخرجه من الآخر وأخذ الطائر الجارح فوضعه على يده فإذا صاد شيئا أبقى له منه نصيبا . ومن الناس البر والفاجر ، ومن هؤلاء كل كفور كنود حتى لقد يكون في بعض البهائم والسباع والطير ما هو أوفى منه ذمة وأشد محاماة عن حرمة وأشكر للمعروف وأقوم به وقد مضى في ذلك مثل ضربه بعض الحكماء . قال الملك : وكيف كان ذلك ؟ مثل الحية والقرد والببر قال الفيلسوف : زعموا أن جماعة احتفروا ركية فوقع فيها رجل صائغ وحية وقرد وببر . ومر بهم رجل سائح فأشرف على الركية فبصر بالرجل والحية والقرد والببر . ففكر في نفسه وقال : لست أعمل لآخرتي عملا أفضل من أن أخلص هذا الرجل من بين هؤلاء الأعداء . فقد قيل : لم يؤجر مأجور بأعظم من أجر من استحيا نفسا هالكة ، ولا