ابن المقفع
249
آثار ابن المقفع
والحياة قصيرة ، ولست كل الدهر ملكا . وإن الموت عندي وفراق الأحباب سواء ، فضلا عما أرتكبه من الإثم في قتلهم . قال له البرهميون : إن أنت لم تغضب أخبرناك ، فأذن لهم فقالوا : أيها الملك إنك لم تقل صوابا حين تجعل نفس غيرك أعز عندك من نفسك ، فاحتفظ بنفسك وملكك هذا الذي فيه لك الرجاء العظيم على ثقة ويقين ، وقر عينا بملكك في وجوه أهل مملكتك الذين شرفت وكرمت بهم ولا تدع الأمر العظيم وتأخذ بالصعيف فتهلك نفسك إيثارا لمن تحب . واعلم ، أيها الملك ، أن الإنسان إنما يحب الحياة محبة لنفسه ، وأنه لا يحب من أحب من الأحباب إلا ليتمتع به في حياته ، وإنما قوام نفسك بعد اللّه بملكك . وإنك لم تنل ملكك إلا بالمشقة والعناء الكثير في الشهور والسنين ، وليس ينبغي أن ترفضه ويهون عليك . فاستمع كلامنا وانظر لنفسك مناها ودع ما سواها فإنه لا خطر له . فلما رأى الملك أن البرهميين قد أغلظوا له في القول واستجرأوا عليه في الكلام ، اشتد غمه وحزنه وقام من بين ظهرانيهم ودخل إلى حجرته ، فخر على وجهه يبكي ويتقلب كما تتقلب السمكة إذا خرجت من الماء ، وجعل يقول في نفسه : ما أدري أي الامرين أعظم في نفسي الهلكة أم قتل أحبائي ؟ ولن أنال الفرح ما عشت وليس ملكي بباق علي إلى الأبد ، ولست بالمصيب سؤالي في ملكي . وإني لزاهد في الحياة إذا لم أر إيراخت وجوير ، وكيف أقدر على القيام بملكي إذا هلك وزيري إيلاذ ، وكيف أضبط أمري إذا هلك فيلي الأبيض وفرسي الجواد ، وكيف أدعى ملكا وقد قتلت من أشار البراهمة بقتله وما أصنع بالدنيا بعدهم . ثم إن الحديث فشا في الأرض بحزن الملك وهمه . فلما رأى ايلاذ ما نال الملك من الهم والحزن فكر في حكمته ونظر ، وقال : ما ينبغي