ابن المقفع
241
آثار ابن المقفع
البعوضة في الليل فيظنها لشدة صوتها شيئا فإذا وصلت اليه علم أنها ليست بشيء ، وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبت من الملوك . فإن المرأة بزوجها ، والولد بوالديه ، والمتعلم بالمعلم ، والجند بالقائد ، والناسك بالدين ، والعامة بالملوك ، والتقوى بالعقل ، والعقل بالتثبت والأناة . ورأس الحزم للملك معرفة أصحابه وإنزالهم منازلهم على طبقاتهم واتهامه بعضهم على بعض ، فإنه لو وجد بعضهم إلى بعض سبيلا لفعل . وقد جربت ابن آوى وبلوت رأيه وأمانته ومروءته ، ثم لم تزل مادحا له راضيا عنه . وقد اتهمته بشيء لا صحة له ولا تعلم صدقه من كذبه ، ولعل ذلك عمل الكذب والحسد والخيانة من وزرائك ، لأن الملك إذا تهاون في أمر وزرائه وتغافل عنهم دخل عليه في ذلك ما تكره عاقبته . والملك أخبر من طريق العقل ان الأشرار يحسدون الأخيار ويرقبونهم ليوقعوا بهم . وليس ينبغي للملك ان يستخينه بعد ارتضائه إياه وائتمانه له . ومنذ مجيئه إلى الآن لم يطلع له على خيانة إلا على العفة والنصيحة ، وما كان من رأي الملك ان يعجل عليه لأجل طابق لحم . وأنت ، أيها الملك ، حقيق ان تنظر في حال ابن آوى ، ولتعلم أنه لم يكن يتعرض للحم ولا يأكله فكيف للحم استودعته إياه ؟ ولعل الملك إن فحص عن ذلك ظهر له ان ابن آوى له خصماؤه الذين ائتمروا بهذا الأمر ، وهم الذين ذهبوا باللحم إلى بيته فوضعوه فيه . فإن الحدأة إذا كان في رجلها قطعة لحم اجتمع عليه سائر الطير ؛ والكلب إذا كان معه عظم اجتمعت عليه الكلاب . وابن آوى ، منذ كان إلى اليوم ، نافع وكان محتملا لكل ضرر في جنب منفعة تصل إليك ، ولكل عناء يكون لك فيه راحة ولم يكن يطوي دونك سرا . فبينما أم الأسد تقص عليه هذه المقالة ، إذ دخل عليه بعض ثقاته