ابن المقفع

242

آثار ابن المقفع

فأخبره ببراءة ابن آوى ، فقالت أم الأسد : إن الملك ، بعد ان اطلع على براءة ابن آوى ، حقيق ألا يتساهل مع من سعى به لئلا يتجرأوا على ما هو أعظم من ذلك ، ولكن يعاقبهم عليه لكي لا يعودوا إلى مثله ولا تحتقر ما فعلوا معك ، فان العشب وإن كان لا قوة له يصنع منه الحبل الذي يوثق به الفيل . فإنه لا ينبغي للعاقل ان يراجع في أمر الكفور للحسنى والجريء على الغدر والزاهد في الخير والذي لا يوقن بالآخرة وينبغي أنه يجزى بعمله . وقد عرفت سرعة الغضب وفرط الهفوة ، ومن سخط باليسير لم يبلغ رضاه بالكثير . والأولى لك ان تراجع ابن آوى وتعطف عليه ولا يوئسنك من مناصحته ما فرط منك إليه من الإساءة . فان من الناس من لا ينبغي تركه على حال من الأحوال ، وهو من عرف بالصلاح والكرم وحسن العهد والشكر والوفاء والمحبة للناس والسلامة من الحسد والبعد من الأذى والاحتمال للاخوان والأصحاب ، وإن ثقلت عليه منهم المؤونة . وأما من ينبغي تركه ، فهو من عرف بالشراسة ولؤم العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد عن الرحمة والورع ، واتصف بالجحود لثواب الآخرة وعقابها . وقد عرفت ابن آوى وجربته وأنت حقيق بمواصلته . فدعا الأسد بابن آوى واعتذر اليه مما كان منه ووعده خيرا وقال : إني معتذر إليك ورادك إلى منزلتك . فقال ابن آوى : أوليس هذا الذي خفت منه في أول اتصالي بك ، والذي لأجله امتنعت مما عرضته علي من صحبتك وتولي خدمتك ؟ وإن شر الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ، ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه ، أو كان يريد ان يرضيه بغير الحق لأجل اتباع هواه ، وكثيرا ما يقع ذلك بين الأخلاء . وقد كان من الملك إلي ما علم ، ولا ينبغي للملك ان يطمئن إلى