ابن المقفع

203

آثار ابن المقفع

الامتناع منه إذا خرقني واتخذني مسكنا . فانطلق الناسك إلى الجرذ فقال له : هل أنت متزوج هذه الجارية ؟ فقال : وكيف أتزوجها ومسكني ضيق ، وإنما يتزوج الجرذ الفأرة فدعا الناسك ربه ان يحولها فأرة كما كانت وذلك برضى الجارية . فأعادها إلى عنصرها الأول فانطلقت مع الجرذ . فهذا مثلك أيها المخادع . فلم يلتفت ملك البوم إلى ذلك القول ورفق بالغراب ولم يزدد له إلّا اكراما ، حتى إذا طاب عيشه ونبت ريشه واطلع على ما أراد ان يطلع عليه ، راغ « 1 » روغة فأتى أصحابه بما رأى وسمع . فقال للملك : إني قد فرغت مما كنت أريد ولم يبق إلا أن تسمع وتطيع . قال له : انا والجند تحت أمرك فاحتكم « 2 » كيف شئت . قال الغراب : إن البوم بمكان كذا ، في جبل كثير الحطب ، وفي ذلك الموضع قطيع من الغنم مع رجل راع ، ونحن مصيبون « 3 » هناك نارا ونلقيها في أثقاب « 4 » البوم ونقذف عليها من يابس الحطب ونتروح عليها « 5 » ضربا باجنحتنا حتى تضطرم النار في الحطب فمن خرج منهن احترق ومن لم يخرج مات بالدخان موضعه . ففعل الغربان ذلك فأهلكن البوم قاطبة « 6 » ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات . ثم إن ملك الغربان قال لذلك الغراب : كيف صبرت على صحبة البوم ولا صبر للأخيار على صحبة الأشرار . قال الغراب : إن ما قلته أيها الملك لكذلك ، فإنه يقال : لذع النار أيسر على المرء من صحبة الأشرار والإقامة معهم . ولكن العاقل

--> ( 1 ) راغ يروغ : تحيل ، مال بحيلة مكرا وخديعة ( 2 ) احتكم : احكم بما تريد . ( 3 ) مصيبون : واجدون . ( 4 ) اثقاب : جمع ثقب وهو الخرق النافذ . ( 5 ) نتروح عليها : نجلب إليها الريح . ( 6 ) قاطبة : اي جميعا .