ابن المقفع

204

آثار ابن المقفع

إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذي يخاف من عدم تحمله الجائحة « 1 » على نفسه وقومه لم يجزع « 2 » من شدة الصبر عليه لما يرجو من أن يعقبه صبره حسن العاقبة وكثير الخير ، فلم يجد لذلك ألما ولم تكره نفسه الخضوع لمن هو دونه حتى يبلغ حاجته فيغتبط « 3 » بخاتمة أمره وعاقبة صبره . فقال الملك : أخبرني عن عقول البوم . قال الغراب : لم أجد فيهن عاقلا إلا الذي كان يحثهن على قتلي وكان حرضهن على ذلك مرارا فكن أضعف شيء رأيا فلم ينظرن في أمري ويذكرن أني قد كنت ذا منزلة في الغربان وأني أعد من ذوي الرأي . ولم يتخوفن مكري وحيلتي ولا قبلن من الناصح الشفيق ولا أخفين دوني اسرارهن . وقد قالت العلماء : ينبغي للملك ان يحصن أموره من أهل النميمة ولا يطلع أحدا منهم على مواضع سره . وقد قيل : ينبغي للمرء ان يتحفظ من عدوه في كل شيء حتى في الماء الذي يشربه ويغتسل به والفراش الذي ينام عليه والحلة « 4 » التي يلبسها والدابة التي يركبها ، ولا يأمن على نفسه إلا الثقة « 5 » الأمين السالم الباطن والظاهر ، ويكون بعد ذلك كله على حذر منه لأن عدوه لا يتوصل إليه إلا من جهة ثقاته فربما كان أحدهم لعدوه صديقا فيصل العدو إلى مراده . فقال الملك : ما أهلك البوم في نفسي « 6 » إلا البغي « 7 » وضعف رأي الملك وموافقته وزراء السوء . فقال الغراب : صدقت ، أيها الملك ، إنه قلما ظفر أحد بغنى ولم يطغ « 8 » ، وقلما حرص الرجل على النساء ولم

--> ( 1 ) الجائحة : الشدة العظيمة تجتاح الناس اى تهلكهم وتستأصلهم ( 2 ) يجزع : خلاف يصبر ، يخاف . ( 3 ) يغتبط : يعد نفسه سعيدا . ( 4 ) الحلة : الثوب . ( 5 ) الثقة : الموثوق به . ( 6 ) في نفسي : في رأي . ( 7 ) البغي : الظلم . ( 8 ) طغى يطغي : بطر يبطر .