ابن المقفع
194
آثار ابن المقفع
قال الغراب : ثم إن البوم تجمع مع ما وصفت لكن من الشؤم « 1 » سائر العيوب ، فلا يكونن تمليك البوم من رأيكن . فلما سمع الكراكي ذلك من كلام الغراب أضربن عن تمليك البوم ، وكان هناك بوم حاضر قد سمع ما قالوا ، فقال للغراب : لقد وترتني « 2 » أعظم الترة « 3 » ولا أعلم أنه سلف مني إليك سوء أوجب هذا . وبعد فاعلم أن الفأس يقطع بها الشجرة فيعود ينبت والسيف يقطع اللحم ثم يرجع فيندمل « 4 » واللسان لا يندمل جرحه ولا تؤسى « 5 » مقاطعه « 6 » . والنصل « 7 » من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج . وأشباه النصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج . ولكل حريق مطفىء ، فللنار الماء وللسم الدواء وللعشق الفرقة ، ونار الحقد لا تخبو « 8 » أبدا . وقد غرستم معاشر الغربان بيننا وبينكم شجر الحقد والعداوة والبغضاء . فلما قضى البوم مقالته ولى مغضبا فأخبر ملك البوم بما جرى وبكل ما كان من قول الغراب . ثم إن الغراب ندم على ما فرط منه وقال : واللّه لقد خرقت « 9 » في قولي الذي جلبت به العداوة والبغضاء على نفسي وقومي ، وليتني لم أخبر الكراكي بهذه الحال ولم أعلمها بهذا الأمر . ولعل أكثر الطير قد رأى أكثر مما رأيت وعلم أضعاف ما علمت فمنعها من الكلام بمثل ما تكلمت اتقاء « 10 » ما لم أتق ، والنظر فيما لم أنظر فيه من حذار العواقب ، ولا سيما إذا كان الكلام أفظع كلام يلقى منه سامعه وقائله للمكروه مما يورث الحقد والضغينة . فلا ينبغي أن تسمى أشباه هذا الكلام كلاما ولكن سهاما . وإن الكلام الرديء هو الذي يرمي صاحبه في الحقد والعداوة ؛ والعاقل إن كان واثقا
--> ( 1 ) الشؤم : خلاف البركة . ( 2 ) وترتني : اصبتني بمكروه . ( 3 ) الترة : مصدر وتر . ( 4 ) يندمل : يلتحم . ( 5 ) تؤسى : تداوى . ( 6 ) مقاطعه : مواضع قطعه . ( 7 ) النصل : حديد السهم ونحوه . ( 8 ) لا تخبو : لا تطفأ . ( 9 ) خرقت : من الخرق وهو عدم احسان التصرف في الأمور . ( 10 ) اتقاء : توقي .