ابن المقفع

195

آثار ابن المقفع

بقوته وفضله لا ينبغي ان يحمله ذلك على أن يجلب العداوة على نفسه اتكالا على ما عنده من الرأي والقوة ، كما أنه وإن كان عنده الترياق لا ينبغي له ان يشرب السم اتكالا على ما عنده . وصاحب العمل وإن قصر به القول في مستقبل الأمر كان فضله بينا واضحا في العاقبة والاختبار ، وصاحب حسن القول وإن أعجب الناس حسن صفته للأمور لم تحمد مغبة « 1 » أمره ، وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة . أوليس من سفهي « 2 » اجترائي على التكلم في أمر لم أستشر فيه أحدا ولم أعمل فيه رأيا ؟ ومن لم يستشر النصحاء والأولياء « 3 » وعمل برأيه من غير تكرار النظر والروية « 4 » لم يغتبط بمواقع رأيه فما كان أغناني عما كسبت يومي هذا وما وقعت فيه من الهم . وعاتب الغراب نفسه بهذا الكلام وأشباهه وذهب . هذا ما سألتني عنه من ابتداء العداوة بيننا وبين البوم ، وأما القتال فقد علمت رأيي فيه وكراهتي له ، ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء اللّه تعالى . فإنه رب قوم قد احتالوا بآرائهم حتى ظفروا بما أرادوا ، ومن ذلك حديث الجماعة الذين ظفروا بالناسك وأخذوا غريضه « 5 » . قال الملك : وكيف كان ذلك ؟ اللصوص والناسك وغريضه قال الغراب : زعموا أن ناسكا اشترى غريضا ضخما ليجعله قربانا ،

--> ( 1 ) مغبة : عاقبة . ( 2 ) سفهي : جهلي . ( 3 ) الأولياء : الأصدقاء . ( 4 ) الروية : إطالة الفكرة . ( 5 ) الغريض ؛ ما اتى عليه سنة من المعز .