ابن المقفع

187

آثار ابن المقفع

فلما أصبحت الغربان اجتمعت إلى ملكها فقلن له : قد علمت ما لقينا الليلة من ملك البوم وما منا إلا من أصبح قتيلا أو جريحا أو مكسور الجناح أو منتوف الريش أو مهلوب « 1 » الذنب . وأشد ما أصابنا ضرا جرأتهن علينا وعلمهن بمكاننا وهن عائدات الينا غير منقطعات عنا لعلمهن بمكاننا فإنما نحن لك أيها الملك فانظر لنا ولنفسك . وكان في الغربان خمسة معترف لهن بحسن الرأي يسند إليهن « 2 » في الأمور وتلقى إليهن مقاليد « 3 » الأحوال . وكان الملك كثيرا ما يشاورهن في الأمور ويأخذ آراءهن في الحوادث والنوازل « 4 » . فقال الملك للأول من الخمسة : ما رأيك في هذا الأمر ؟ قال : رأيي قد سبقتنا اليه العلماء ، وذلك أنهم قالوا : ليس للعدو الحنق « 5 » الذي لا طاقة لك به إلا الهرب منه . قال الملك للثاني : ما رأيك أنت في هذا الأمر ؟ قال : ما رأى هذا من الهرب . قال الملك : لا أرى لكما ذلك رأيا أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة اصابتنا منه ، ولا ينبغي لنا ذلك فنكون به لهم عونا علينا ، ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي « 6 » نار الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة « 7 » إذا أقبل الينا فنلقاه مستعدين ونقاتله قتالا غير مراجعين فيه ولا حامين منه « 8 » وتلقى أطراف العدو ونتحرر بحصوننا وندافع عدونا بالأناة « 9 » مرة وبالجلاد « 10 » أخرى حيث نصيب فرصتنا وبغيتنا وقد ثنينا « 11 » عدونا عنا . ثم قال الملك للثالث . ما رأيك أنت ؟ قال : لا أرى ما قالا

--> ( 1 ) مهلوب : منتوف . ( 2 ) يسند إليهن : يعتمد عليهن . ( 3 ) مقاليد : مفاتيح . ( 4 ) النوازل : الشدائد . ( 5 ) الحنق : ذي الحنق اي الغضب . ( 6 ) نذكي : نوقد . ( 7 ) الغرة : الغفلة . ( 8 ) حامين منه : آنفين اي متكرهين . ( 9 ) الأناة : التأني . ( 10 ) الجلاد : الحرب . ( 11 ) ثنينا : رددنا .